الحديث الثاني عشر: [شاء وأراد وقدّر وقضى ولم يحب]
ما رويناه بالأسانيد المتقدّمة عن ثقة الإسلام في الكافي، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمان، عن أبان، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): شاء اللَّه وأراد وقدّر وقضى؟ قال: «نعم». قلت: وأحب؟ قال: «لا». قلت: وكيف شاء وأراد وقدّر وقضى ولم يحب؟! قال: «هكذا خرج إلينا» (1).
إيضاح:
قوله (عليه السلام): (لا) أي لا يحب جميع ذلك، فالنفي وارد على الإيجاب الكلّيّ؛ لثبوت محبّته تعالى لبعض ما قضاه وأراده وقدّره، كأفعاله الصادرة عنه، وأفعال الطاعات والعبادات الصادرة من عباده.
وقوله (عليه السلام): (هكذا خرج إلينا) أي من الوحي ومن النبيّ وآبائنا الطاهرين.
وفيه إعراض عن التبيين العقليّ بالاكتفاء بالبيان النقليّ لدقّة الجواب؛ ولأنّ فهمه محتاج إلى لطف قريحة، أو لأنّ الحكمة تقتضي عدم بيانه للسائل.
وقد وجّه الحديث الشريف بوجوه:
الأوّل: أن يكون المراد بالقضاء والقدر والمشيّة والإرادة فيما يتعلّق بأفعال العباد: علمه سبحانه بوقوع الفعل وثبته في الألواح السماويّة، وشيء منها لا يصير سبباً للفعل، بل هو تابع للفعل كالعلم، وأمّا المحبّة فهي عبارة عن أمره سبحانه بالشيء وإثابته سبحانه عليه، فهو لا يأمر بالمعاصي ولا يثيب عليها، فصحّ إثبات القضاء وما يليه دون المحبّة.
الثاني: أنّه لمّا كانت المشيّة والإرادة وتعلّقهما بإيقاع الفعل من الإنسان مقارناً لمحبّته وشوقه وميل قلبه إلى ذلك الفعل توهّم السائل أنّ له سبحانه صفة زائدة على ما ذكره، وهي المحبّة والشوق وميل القلب، فأجاب (عليه السلام) بأنّه: ليس له تعالى محبّته، بل إسنادها إليه مجاز، وهي كناية عن أمره، أو عدم نهيه، أو ثوابه ومدحه.
الثالث: أنّ المشيّة والإرادة والتقدير والقضاء كلّها من فعل اللَّه سبحانه، وهي حكم اللَّه في الأشياء على حدّ علمه بها، وأمّا المشيّء المراد والمقدّر المقضيّ الذي يقع في الوجود فإنّه ربّما يكون من فعل العبد الذي يطلبه من اللَّه باستعداده، وهو قد يكون محبوباً مرضيّاً - كالطاعات - وقد يكون مبغوضاً مسخوطاً - كالكفر والمعاصي - ولا شكّ أنّ الحكم غير المحكوم به والمحكوم عليه؛ لكونه نسبة قائمة بهما، فلا يلزم من كون الحكم الذي من طرف الحقّ خيراً أن يكون المحكوم به الذي من جهة العبد خيراً ومحبوباً، وهذا هو التحقيق في التفصّي عن شبهة مشهورة، هي أنّه قد ثبت وجوب الرضا بالقضاء، وعدم جواز الرضا بالكفر والمعاصي، فإذا كان الكفر والمعاصي بالقضاء فكيف التوفيق؟ (2).
الرابع: أنّه لا منافاة بين تعلّق الإرادة والمشيّة بشيء وأن لا يحبّه؛ لأنّ تعلّق المشيّة والإرادة بما لا يحبّه بتعلّقهما بوقوع ما يتعلّق به إرادة العباد بإرادتهم وترتُّبه عليها، فتعلّقهما بالذات بكونهم قادرين مريدين لأفعالهم وترتّبهما على إرادتهم وتعلّقهما بما هو مرادهم بالتبع شرّ فيه غير محبوب له، فإنّ دخول الشرّ وما لا يحبّه في متعلّق إرادته بالعرض جائز، فإنّ كلّ من تعلّق مشيّته وإرادته بخير وعلم لزوم شرّ له - شرّيّة لا تقاوم خيريّته - تعلّقها بذلك الشرّ بالعرض وبالتبع، وذلك التعلّق بالتبع لا ينافي أن يكون المريد خيّراً محضاً، ولا يتّصف بكونه شرّيراً ومحبّاً للشرّ، ويأتي مزيد تحقيق لذلك (3).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي، ج 1، ص 150، باب المشيئة والإرادة، ح 2؛ الفصول المهمّة، ج 1، ص 231، ح 4.
(2) الوافي، ج 1، ص 520 - 521. وقد أجاب المحقّق الشعرانيّ عن الشبهة في هامش كتاب الوافي بقوله: وربّما يجاب عن الشبهة بالفرق بين القضاء بالذات وبالعرض، فالمأمور به هو الرضا بما يوجبه القضاء بالذات، وهو: الخيرات كلّها، والمنهي عنه هو الرضا بما يوجبه القضاء على سبيل العرض، وهو الشرور اللازمة للخيرات الكثيرة بالنسبة إلى بعض الجزئيّات.
(3) انظر: مرآة العقول، ج 2، ص 156 فإنّه أورد فيه الوجهين الأوّلين وكذا الأخير.