الحديث الحادي عشر: [لا يكون شيءٌ إلّا بسبع]
ما رويناه بالأسانيد المتقدّمة عن ثقة الإسلام في الكافي، عن العدّة، عن أحمد ابن محمّد بن خالد، عن أبيه، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد ومحمّد بن خالد جميعاً، عن فضالة بن أيّوب، عن محمّد بن عمّار، عن حريز بن عبد اللَّه وعبد اللَّه بن مسكان جميعاً، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) أنّه قال: «لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بهذه الخصال السبع: بمشيئة، وإرادة، وقضاء، وقدر، وإذنٍ، وكتاب، وأجل، فمن زعم أنّه يقدر على نقص واحدة فقد كفر».
قال: ورواه عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن حفص، عن محمّد بن عمارة، عن حريز بن عبداللَّه وابن مسكان مثله (1).
ورواه أيضاً عن أبيه، عن محمّد بن خالد، عن زكريّا بن عمران، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «لا يكون شيء في السماوات ولا في الأرض إلّا بسبع: قضاء وقدر وإرادة ومشيّة وكتاب وأجل وإذن؛ فمن زعم غير هذا فقد كذب على اللَّه، أو ردّ على اللَّه» (2).
سبك وتحقيق:
(المشيّة) قد تقدّم معناها، ومن معانيها: العزم.
و(الإرادة) هي: تأكّد العزم والثبوت عليه.
و(القدر): تقدير الأمور طولًا وعرضاً وكيلًا ووزناً ونحوها.
و(القضاء) في أفعاله تعالى هو: الحكم بالوجود في أفعالنا والحكم عليها بالثواب والعقاب.
و (الإذن): العلم، كما في قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279] أي كونوا على علم، وقد يطلق على الأمر.
و(الكتاب): اللوح.
و(الأجل): الأمد المعيَّن.
وظاهر الحديث ينطبق على مذهب الأشاعرة والجبريّة القائلين بأنّ الإرادة موافقة العلم، بمعنى أنّ كلّ ما علم اللَّه وقوعه فهو مراد الوقوع، وكلّ ما علم اللَّه عدم وقوعه فهو مراد العدم، وأنّ جميع أفعال العباد التي صدرت منهم من الطاعات والمعاصي والكفر والزندقة مراد له تعالى وبقضائه وقدره وإذنه وكتابته.
وأمّا تطبيقه على مذهب العدليّة القائلين بأنّه تعالى يريد من أفعال العباد الطاعات ولا يريد المعاصي والشرور، وأنّه تعالى لم يأمر بالمعاصي والشرور، فيحتاج انطباقه إلى توجيه؛ أمّا من حيث الإرادة فمن وجوه:
الأوّل: أنّ مشيّته تعالى وإرادته متعلّقة بجميع الموجودات بمعنى أنّه أراد ألّا يكون شيء إلّا بعلمه.
الثاني: أنّ الإرادة متعلّقة بالأشياء كلّها ولكن تعلّقها بها على وجوه مختلفة؛ إذ تعلّقها بأفعال نفسه سبحانه بمعنى إيجادها والرضا بها لكونها كلّها حسنة واقعة على وجه الحكمة، والشرّ القليل تابع لخيرات كثيرة فيه، وليس مراداً بالذات، وتعلّقها بأفعال العباد، أمّا بالطاعات فهو إرادة وجودها والرضا بها أو الأمر بها، وأمّا بالمباحات فهو الرخصة بها، وأمّا بالمعاصي فهو إرادة أن لا يمنع منها بالجبر والقهر، كما صرّح به الصدوق في كتاب الاعتقادات (3)، أو إرادة عدمها كما فسّر به قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا﴾ [الأنعام: 107] أي ولو شاء اللَّه عدم شركهم على سبيل الإجبار ما أشركوا، ولكن لم يشأ على هذا الوجه؛ لمنافاته غرض التكليف، وإنّما شاء على سبيل الاختيار ليكون لهم القدرة على الفعل والترك.
ويدلّ على هذا المعنى ما رواه الطبرسيّ في احتجاجه عن الرضا (عليه السلام) قال: «إرادة اللَّه ومشيّته في الطاعات: الأمر بها والرضا لها والمعونة عليها، وإرادته ومشيّته في المعاصي: النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها».
قال السائل: فللّه فيه قضاء؟
قال: «نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير أو شرّ إلّا وللَّه فيه قضاء».
قال السائل: ما معنى هذا القضاء؟
قال: «الحكم عليهم بما يستحقّونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة» (4) الحديث نقل بالمعنى.
الثالث: أنّ تعلّقها بأفعاله تعالى ما مرّ، وتعلّقها بأفعال عباده على سبيل التجوّز؛ لأنّه تعالى حيث كان هو الموجد لآلاتها والقدرة عليها، ولم يمنع منها مع قدرته على المنع، فكأنّه أرادها.
الرابع: أنّ إرادته تعالى عبارة عن العلم بما في الفعل من المصلحة.
الخامس: أنّ إرادة العبد لأفعاله مخلوقة للَّه تعالى كما تقدّم نقله عن السيّد الداماد في تفسير قوله (عليه السلام): «خلق اللَّه المشيّة بنفسها، ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة» فحيث كانت مخلوقة له تعالى فكأنّه فاعلها مجازاً. وفيه من البُعد ما لا يخفى.
وأمّا رفع الإشكال من حيث القضاء والقدر فالمراد بالقدر: العلم أو تقدير الموجودات، والمراد بالقضاء في أفعالنا: الحكم عليها بالثواب والعقاب كما مرّ عن الرضا (عليه السلام).
وحكي عن العلّامة (رحمه الله) في شرحه على التجريد أنّه قال: يطلق القضاء على الخلق والإتمام، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12] أي خلقهنّ وأتمّهنّ، وعلى الحكم والإيجاب كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] أي أوجب وألزم، وعلى الإعلام والإخبار كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: 4] أي أعلمناهم وأخبرناهم.
ويطلق القدر على الخلق كقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10]، والكتابة كقول الشاعر:
واعلم بأنّ ذا الجلال قد قدر * في الصُحُف الأولى التي كان سطر
والبيان كقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: 57] أي بيّنّا وأخبرنا بذلك.
إذا ظهر هذا فنقول للأشعريّ: ما تعني بقولك أنّه تعالى قضى أعمال العباد وقدّرها؟ إن أردت به الخلق والإيجاد فقد بيّنّا بطلانه وأنّ الأفعال مستندة إلينا.
وإن عني به الإلزام لم يصحّ إلّا في الواجب خاصّة.
وإن عني به أنّه تعالى بيّنها وكتبها وعلم أنّهم سيفعلونها فهو صحيح؛ لأنّه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ وبيّنه لملائكته، وهذا المعنى الأخير هو المتعيّن؛ للإجماع على وجوب الرضا بقضاء اللَّه تعالى وقدره، ولا يجوز الرضا بالكفر وغيره من القبائح، ولا ينفعهم الاعتذار بوجوب الرضا به من حيث إنّه فعله، وعدم الرضا به من حيث الكسب؛ لبطلان الكسب أوّلًا، وثانياً نقول: إن كان الكفر كسباً بقضائه تعالى وقدره وجب الرضا به من حيث هو كسب، وهو خلاف قولكم، وإن لم يكن بقضاء وقدر بطل إسناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء والقدر (5). انتهى.
وأمّا من حيث الإذن فقد عرفت أنّ معناه: العلم، والكتاب: ما كتب في اللوح فلا إشكال.
أو المراد بالإذن: الأمر بالطاعات أو رفع الموانع، وبالكتاب: الكتابة في الألواح السماويّة.
وقيل: المراد بالمشيّة: القدرة وهي كون الفاعل بحيث إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، والمراد بالقدر: تعلّق الإرادة، وبالقضاء: الإيجاد، وبالإذن: رفع المانع، وبالكتاب: العلم، وبالأجل: وقت حدوث الحوادث، والترتيب غير مقصود؛ إذ العلم مقدَّم على الكلّ، بل المقصود أنّ هذه الأمور ممّا تتوقّف عليها الحوادث.
ويمكن حمل هذه الخصال السبع على اختلاف مراتب التقدير في الألواح السماويّة والأرضيّة، أو يكون بعضها في الأمور التكوينيّة، وبعضها في الأحكام التكليفيّة، أو كلّها في الأمور التكوينيّة، واللَّه العالم بحقيقة الحال، وإليه المرجع في المبدأ والمآل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي، ج 1، ص 149، باب أنّه لا يكون شيء في السماء والأرض بسبعة، ح 1؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 21، ح 65.
(2) الكافي، ج 1، ص 149، باب أنّه لا يكون شيء في السماء والأرض إلّا بسبعة، ح 2؛ الخصال، ص 359، ح 46.
(3) راجع: الاعتقادات، ص 13.
(4) الاحتجاج، ج 2، ص 414؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 11 - 12، ح 18 مع تفاوت يسير.
(5) كشف المراد، ص 433.