الحديث الثالث عشر: [أمر اللَّه ولم يشأ، وشاء ولم يأمر]
ما رويناه بأسانيدنا السالفة عن ثقة الإسلام، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن واصل بن سليمان، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «أمر اللَّه ولم يشأ، وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء ألّا يسجد، ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها، ولو لم يشأ لم يأكل» (1).
بيان:
ظاهر الحديث موافق لمذهب الجبريّة القائلين بأنّه تعالى قد يأمر بالشيء وهو لا يريده، وينهى عن الشيء وهو يريده، وأنّه يريد كلّ ما يدخل في الوجود وإن كان معصية، ولا يريد ما لا يدخل فيه وإن كان طاعة، بناءً على ما تقرّر عندهم من أنّه تعالى خالق لأفعال العباد، فكلّ ما خلقه فقد أراده، وكلّ ما لم يخلقه لم يرده، فأمر إبليس بالسجود ولم يرده؛ لعدم تحقّقه، ونهى آدم عن الأكل وأراده؛ لتحقّقه، ولم يرد تركه؛ لعدم تحقّقه.
وأمّا على مذهب العدليّة القائلين: إنّه تعالى كلّ ما يأمر به فهو يريده، وكلّ ما ينهى عنه فهو لا يريده بل يكرهه، وأنّه تعالى يريد كلّ ما هو خير محض وحسن؛ وُجد أو لم يوجد، ولا يريد كلّ ما هو شرّ وقبيح كذلك، فيحتاج تطبيقه إلى توجيه يمكن بوجوه:
أحدها: أن يكون المعنى: أنّ اللَّه أمر بالأشياء على وجه الاختيار وأرادها على وجه التفويض والاختيار، ولم يشأ تلك الأشياء مشيّة جزم، ولم يردها إرادة قسر، وشاء شيئاً مشيّة تكليفيّة، وأراده إرادة تخييريّة، يعني أراد إيقاعه باختيار العبد ولم يأمر به على وجه القسر، ولم يرده على وجه الجبر.
ثمّ أوضح ذلك (عليه السلام) بقوله: «أمر إبليس أن يسجد لآدم» على سبيل الاختيار، وأراد منه السجود من غير قسر ولا إجبار، وشاء ألّا يسجد بالجبر والقسر، أو المعنى: ولم يشأ أن يسجد مشيّة جبر ولم يرده إرادة قسر، بقرينة قوله سابقاً: «أمر اللَّه ولم يشأ» ولو شاء سجوده لآدم على القسر والجبر لسجد له؛ لأنّ الأفعال القسريّة لا تتخلّف عن الفاعل القادر المختار.
ونهى آدم عن أكل الشجرة على وجه الاختيار وكره منه أكل ثمرتها من غير قسر ولا إجبار، وشاء أن يأكل منها باختياره، أي لمّا شاء الاختيار له، فكأنّه شاء ما اختاره، أو شاء أن يكون له اختيار في أكله منه، وأراد أن لا يكون مجبوراً في تركه، ولو لم يشأ أن يكون له اختيار في أكله ويكون مجبوراً على تركه لم يأكل؛ لأنّ المجبور على ترك الشيء ومسلوب الاختيار في فعله لا يقدر على الإتيان بذلك الشيء، وحيث أكل علم أنّه صاحب القدرة والاختيار فيه، وأنّه تعالى أراد أن يكون فعل العبد وتركه بقدرته؛ حفظاً لنظام التكليف، وتحقيقاً لمعنى الثواب والعقاب.
ثانيها: أن يكون المراد بالمشيّة العلم، ويؤيّده ما روي عن الفقه الرضويّ حيث قال (عليه السلام): «قد شاء اللَّه من عباده المعصية وما أراد، وشاء الطاعة وأرادها منهم؛ لأنّ المشيّة مشيّة الأمر ومشيّة العلم، وإرادته إرادة الرضا، وإرادة الأمر أمر بالطاعة ورضي بها، وشاء المعصية يعني: علم من عباده المعصية ولم يأمرهم بها» (2) الخبر.
ويكون المعنى: أنّه أمر بشيء ولم يعلم وقوع ذلك الشيء؛ لعلمه بعدم وقوعه، فلا يتعلّق علمه بوقوعه، وشاء، يعني علم وقوع الشيء ولم يأمر به؛ لكونه غير مرضيّ له.
وقد ورد في بعض الأخبار أنّه (عليه السلام) سُئل عن شيء لا يعلمه اللَّه، فقال (عليه السلام): «إنّ اللَّه لا يعلم أنّ له شريكاً» (3).
ثالثها: أن يكون المراد بمشيّة الطاعة هداياته وألطافه الخاصّة التي ليست من ضروريّات التكليف، وبمشيّة المعصية خذلانه وعدم فعل تلك الألطاف بالنسبة إليه، وشيء منهما لا يوجب جبره على الفعل والترك، ولا ينافي استحقاق الثواب والعقاب.
رابعها: أنّ معنى قوله (عليه السلام): «أمر اللَّه ولم يشأ» هو أنّه تعالى أمر بشيء ولم يرد تعلّق علمه بوقوع ذلك الشيء؛ لعلمه بعدم وقوعه.
ومعنى قوله (عليه السلام): «وشاء ولم يأمر» هو أنّه أراد تعلّق علمه بوقوع شيء؛ لعلمه بوقوعه، ولم يأمر بذلك الشيء؛ لأنّه يكرهه.
خامسها: أنّ المراد تهيئة أسباب فعل العبد بعد إرادة العبد ذلك الفعل.
سادسها: أنّه لمّا اقتضت المصلحة بتكليف من علم اللَّه منه المعصية وكلّفه مع علمه بذلك ووكله إلى اختياره، ففعل تلك المعصية فكأنّه شاء صدوره منه، وكذا في الطاعة إذا علم صدوره منه، فيسمّى ذلك مشيئة مجازاً، وهذا مجاز شائع، كما إذا أمر المولى عبده بأوامر وخيّره في ذلك ومكّنه على الفعل والترك، مع علمه بأنّه لا يأتي بها، فيقال له: أنت فعلت ذلك؛ إذ كنت تعلم أنّه لا يفعل، ومكّنته ووكلته إلى نفسه.
سابعها: أن يقال: المراد بالمشيّة عدم جبره على فعل الطاعة أو ترك المعصية.
وبعبارةُ أخرى: سُمّي عدم المشيّة: مشيّة العدم، وهو قريب ممّا قبله، بل يرجع إليه.
ثامنها: أنّه إسناد للفعل إلى العلّة البعيدة، فإنّ العبد وقدرته وإرادته لمّا كانت مخلوقة للَّه تعالى فهو جلّ وعلا علّة بعيدة لجميع أفعاله.
تاسعها: ما تقدّمت الإشارة إليه في الخبر السابق من المشيّة بالتّبع، وربّما يحقّق بوجه أوضح أخذاً ممّا حقّقه بعض الأفاضل في توجيه قوله (عليه السلام): «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين» وهو: أنّ فعل العبد واقع بمجموع القدرتين: قدرة اللَّه، وقدرة العبد، والعبد لا يستقلّ في إيجاد فعله بحيث لا دخل لقدرته تعالى فيه، بمعنى أنّه أقدر العبد على فعله، بحيث يخرج عن يده أزمّة الفعل المقدور للعبد مطلقاً، كما ذهب إليه المفوّضة، أو لا تأثير لقدرته تعالى فيه وإن كان قادراً على طاعة العاصي جبراً؛ لعدم تعلّق إرادته بجبره في أفعاله الاختياريّة، كما ذهب إليه المعتزلة، وهذا أيضاً نحو من التفويض، وليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلًا؛ سواء كانت كاسبة – كما ذهب إليه الأشعريّ ويؤوّل مذهبه إلى الجبر - أم لا تكون كاسبة أيضاً بمعنى أن لا يكون له قدرة واختيار أصلًا، بحيث لا يكون فرق بين مشي زيد وحركة المرتعش، كما ذهب إليه الجبريّة، وهم جهم بن صفوان ومن تبعه، وهذا معنى الأمر بين الأمرين.
ولمّا كانت مشيّة العبد وإرادته وتأثيره في فعله جزءاً أخيراً للعلّة التامّة، وإنّما يكون تحقّق الفعل والترك مع وجود ذلك التأثير وعدمه، فينتفي صدور القبيح عنه تعالى، بل إنّما يتحقّق بالمشيّة والإرادة الحادثة وبالتأثير من العبد الذي هو متمّم للعلّة التامّة، ومع عدم تأثير العبد والكفّ عنه بإرادته واختياره لا يتحقّق فعله بمجرّد مشيّة اللَّه سبحانه وإرادته وقدرته؛ إذ لم يتحقّق مشيّة وإرادة، وتعلُّق إرادة منه تعالى بذلك الفعل مجرّداً عن تأثير العبد، فحينئذٍ الفعل لا سيّما القبيح مستند إلى العبد.
ولمّا كان مراده تعالى من إقداره العبد في فعله وتمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره وإرادته - إذا لم يكن مانع - أيّ فعل أراد واختار من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، ولم يرد منه خصوص شيء من الطاعة والمعصية، ولم يرد جبره في أفعاله؛ ليصحّ تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، وكلّفه بعد ذلك الإقدار بإعلامه بمصالح أفعاله ومفاسدها في صورة الأمر والنهي؛ لأنّهما منه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع ونهيه عن أكل الغذاء الضارّ، فمن صدور الكفر والعصيان عن العبد بإرادته المؤثّرة واستحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالباً عليه تعالى، ولا يلزم عجزه تعالى، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب ولا عجز الطبيب إذا خالفه المريض وهلك، ولا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشيّة اللَّه تعالى وإرادته، ولا يلزم الظلم في عقابه؛ لأنّه فعل القبيح بإرادته المؤثّرة، وطبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحقّ فاعله العقاب.
ولمّا كان مع ذلك الإعلام من الأمر والنهي بواسطة الحجج (عليهم السلام) اللطف والتوفيق في الخيرات والطاعات من اللَّه جلّ ذكره، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يُسند وينسب فعلها إليه تعالى؛ لأنّه مع إقداره وتمكينه له وتوفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات ومضارّ تركها، والكفّ عنها بأوامره، وما فعله من سيّئة فمن نفسه؛ لأنّه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيّئات ومنافع الكفّ عنها بنواهيه، وهذا من قبيل إطاعة الطبيب ومخالفته، فإنّه من أطاعه وبرء من المرض يُقال: عالجه الطبيب، ومن خالفه وهلك يقال: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب. وهذا تحقيق لطيف تنحلُّ به شبهة الجبر والاختيار، ويتّضح به معنى الأمر بين الأمرين.
وحينئذٍ فمعنى قوله: (أمر اللَّه ولم يشأ) أنّه أعلم العباد وأخبرهم بالأفعال النافعة لهم كالإيمان والطاعة، ولم يشأ صدور خصوص تلك الأفعال عنهم، كيف ولو شاء ولم يصدر عن بعضهم لزم عجزه تعالى ومغلوبيّته، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، بل إنّما شاء صدور الأفعال عنهم بقدرتهم واختيارهم أيّ فعل أرادوه، فما شاء اللَّه كان.
ومعنى قوله: (شاء ولم يأمر) أنّه شاء صدور الأفعال عن العباد باختيارهم أيّ فعل أرادوه، ولم يأمر بكلّ ما أرادوا، بل نهاهم عن بعضه وأعلمهم بمضرّته كالكفر والعصيان.
فقوله: (أمر إبليس أن يسجد لآدم) أي أعلمه بأنّ سجوده لآدم نافع له، وكفّه عنه مضرّ له.
و(شاء ألّا يسجد) يعني لم يشأ خصوص السجود، ولو شاء خصوص السجود منه لسجد؛ لاستحالة عجزه تعالى وغلبة إبليس عليه، بل إنّما شاء صدور أيّهما كان من السجود وتركه، أي كفّه بإرادته واختياره.
ولمّا لم يسجد إبليس، أي كفّ عن السجود بإرادته، فهو تعالى لأجل ذلك شاء كفّه، ولمّا كان الكفّ إنّما يتحقّق بمشيّة إبليس وإرادته المؤثّرة، وهي جزء أخير للعلّة التامّة، فلذا يستحقّ إبليس الذمّ والعقاب، والقبح صادر عنه لا عن اللَّه تعالى. وكذلك الكلام في نهي آدم عن أكل الشجرة.
أقول: وهذا يرجع إلى ما سبق، وذكرناه لما فيه من زيادة الإيضاح وما ينحلّ به معنى الأمر بين الأمرين.
عاشرها: حملها على التقيّة؛ لكونها موافقة لأصول الجبريّة، وأكثر المخالفين منهم.
ويؤيّده ما رواه الصدوق في العيون والتوحيد بإسناده عن الحسين بن خالد، قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول اللَّه، إنّ الناس ينسبونا إلى القول بالتشبيه والجبر؛ لما روي من الأخبار في ذلك عن آبائك الأئمّة (عليهم السلام).
فقال (عليه السلام): «يا بْن خالد، أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمّة في التشبيه أكثر أم الأخبار التي رؤيت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في ذلك؟» فقلت: بل ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في ذلك أكثر. قال: «فليقولوا: إنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) كان يقول بالتشبيه والجبر إذاً». قلت له: إنّهم يقولون: إنّ رسول اللَّه لم يقل من ذلك شيئاً، وإنّما روي عليه. قال: «فليقولوا في آبائي (عليهم السلام) أنّهم لم يقولوا من ذلك شيئاً وإنّما روي عليهم». ثمّ قال (عليه السلام): «مَن قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك، ونحن منه بُراء في الدنيا والآخرة. يا بْن خالد، إنّما وضع الأخبار عنّا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغّروا عظمة اللَّه، فمن أحبّهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبّنا» (4) الخبر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي، ج 1، ص 150 و151، باب المشيئة والإرادة، ح 3؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 62، ح 119.
(2) فقه الرضا (عليه السلام)، ص 410؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 124، ح 73.
(3) بحار الأنوار، ج 10، ص 53، ح 1.
(4) عيون الأخبار، ج 2، ص 130؛ التوحيد، ص 363، ح 12؛ ونقله عنهما في بحار الأنوار، ج 3، ص 294، ح 18. وأورد المجلسي أكثر هذه الوجوه بألفاظها في مرآة العقول، ج 2، ص 157 - 160.