0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين) / المقام الثالث

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 182 ــ 200

2026-08-16

29

+

-

20

المقام الثالث: في بطلان القول بالجبر والتفويض زيادة على ما تقدّم

اعلم أنّ أعظم أدلّة المجبّرة على مطلبهم قولهم: إنّ اللَّه قد كلّف بالمحال وبما لا يطاق، وإنّ علمه بالشيء يوجب وقوعه وإلّا لانقلب علمه تعالى جهلًا، فقد سلب الاختيار عن العبد.

واحتجّوا بقوله تعالى في شأن الكفّار: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]، وقوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 7]، وقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، وقوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} [المدثر: 17]، وقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1].

وتوضيح ذلك: أنّ اللَّه تعالى قد أخبر عن شخص معيّن بأنّه لا يؤمن قطّ، فلو صدر منه الإيمان لزم الكذب على اللَّه تعالى في كلامه؛ ولأنّه تعالى علم منه في الأزل أنّه لا يؤمن، فلو آمن لزم انقلاب علمه جهلًا، وذلك محال فكذا ما يستلزمه، فصدور الإيمان منه محال، وقد كلّف به.

وأيضاً الإيمان يعتبر فيه التصديق بكلّ ما أخبر اللَّه عنه، ومن جملته: أنّهم لا يؤمنون، فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات.

والمعتزلة نقضوا هذه الاحتجاجات إجمالًا وتفصيلًا:

أمّا الأوّل: فإنّ علم اللَّه تعالى وخبره بعدم إيمان قوم لا يجوز أن يكون مانعاً من الإيمان لوجوه:

الأوّل: أنّ القرآن مملوء من الآيات الدالّة على أنّه لا مانع لأحد من الإيمان كما قال اللَّه تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94]، والكلام إنكار، كقوله تعالى لإبليس: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، وقوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الانشقاق: 20]، {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49].

الثاني: أنّ اللَّه تعالى قال في كتابه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134]، فقد تبيّن أنّه ما أبقى لهم عذراً إلّا وقد أزاله عنهم، فلو كان علمه تعالى بكفرهم مانعاً لهم من الإيمان لكان ذلك من أعظم الأعذار، وأقوى الوجوه الدافعة لاستحقاقهم للعقاب، والتالي باطل فكذا المقدَّم.

الثالث: أنّه ذكر في مقام الذمّ والزجر والتقبيح قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ} الآية، فلو كانوا ممنوعين من الإيمان غير قادرين عليه لما استحقّوا التقبيح البتّة، بل كانوا معذورين كالأعمى في ألّا يرى.

الرابع: أنّ القرآن إنّما انزل ليكون حجّة للَّه ‌ولرسوله (صلّى الله عليه وآله) لا أن يكون حجّة لهم على اللَّه ورسوله، فلو كان العلم والخبر مانعين لكان لهم أن يقولوا: إنّا كفرنا لسبق القضاء على كفرنا، وترك المقضيّ مستحيل، فلِمَ يطلب المحال منّا، ولِمَ يأمرنا بالمحال؟

الخامس: أنّه لو كان علمه السابق بعدم الإيمان مانعاً عن الإيمان لوجب ألّا يكون اللَّه قادراً على شيء أصلًا؛ والتالي باطل فكذا المقدَّم.

بيان الملازمة: أنّ الذي عُلم وقوعه واجب، والذي عُلم عدم وقوعه ممتنع، وشيء من الواجب والممتنع لا يكون مقدوراً؛ إذ المصحّح للمقدوريّة هو الإمكان دون قسيميه.

السادس: أنّ الأمر بالمحال سفه وعبث، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده بكلّ أنواع السفه، فما كان يمتنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذب فلا يبقى وثوق بصحّة النبوّات، ولا بصحّة القرآن وسائر الكتب، بل يجوز أن يكون الكلّ سفهاً وباطلًا.

السابع: لو جاز ورود الأمر بالمحال لجاز الأمر للأعمى برؤية ما في السماء، والزمِن بالطيران في الهواء، ولو جاز ذلك لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات والعجماء، وإنزال الكتب والملائكة عليها لتبليغ التكاليف حالًا بعد حال، ومعلوم أنّ ذلك سخرية وتلاعب بالدين (1)، قال الصاحب بن عبّاد في فصل له في هذا الباب: كيف يأمره بالإيمان وقد منعه منه؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه؟ وكيف يصرفهم عن الإيمان ثمّ يقول: {أَنَّى يُصْرَفُونَ} [غافر: 69]، ويخلق فيهم الكفر ثمّ يقول: {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61]، وأنشأ فيهم الكفر ثمّ يقول: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: 70]، وخلق فيهم لَبس الحقّ بالباطل ثمّ يقول: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، وصدّهم عن السبيل ثمّ يقول: {لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا} [آل عمران: 99]، وحال بينهم وبين الإيمان ثمّ قال: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 39]، وذهب بهم عن الرشد ثمّ قال: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26]، وأضلّهم عن الدين حتّى أعرضوا ثمّ قال: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49]، وغيرها من الآيات الدالّة على أنّ التكليف بما لا يطاق لم يقع، قال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]، وأيّ حرج ومشقّة فوق التكليف بالمحال (2)، وأمّا ما أجابوا به عن العلم فللمعتزلة فيه طريقان:

إحداهما: طريقة أبي هاشم وأبي علي الجبّائيّ والقاضي عبدالجبّار، قالوا لمن قال: لو وقع خلاف علم اللَّه لانقلب علمه جهلًا، إنّه قد أخطأ من قال: إنّه ينقلب علمه جهلًا، وأخطأ أيضاً من قال: إنّ علمه لا ينقلب جهلًا، ولكن يجب الإمساك عن القولين.

وثانيهما: طريقة الكعبيّ واختيار أبي الحسين البصريّ والمتأخّرين منهم، وهو: إنّ العلم تبع للمعلوم، فإذا فرضت الواقع من العبد هو الإيمان عرفت أنّ الحاصل في الأزل للَّه ‌تعالى العلم بالإيمان، ومتى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلًا عن الإيمان عرفت أنّ الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلًا عن الإيمان، فهو فرض علم بدلًا عن علم آخر لا أنّه انقلاب في العلم وتغيّر له (3).

أقول: التحقيق في الجواب: أنّ العلم لابدّ أن يوجد المعلوم على وفقه مطابقاً له، والذي علمه اللَّه هو صدور المعصية عن زيد بالاختيار، وصدور الإحراق عن النار - مثلًا - بالاضطرار، ويستحيل خلاف ما علمه، فلو صدرت المعصية بطريق الإلجاء والإحراق بطريق الاختيار لزم المحال، وليس العلم هو العلّة القريبة الموجبة للمعصية، وإنّما علّتها اختيار زيد وإرادته مع أمور أخر.

لا يقال: إنّ علم اللَّه مقدّم فكيف يكون تابعاً؛ لأنّ التابعيّة ملزومة للتأخير؟

لأنّا نقول: إنّ معنى التابعيّة هو أصالة المعلوم في التطابق، وهذا المعنى يجتمع مع تقدُّم العلم.

بيان ذلك: أنّ العلم حكاية عن المعلوم ومثال له، فنسبته إليه كنسبة الفرس المنقوشة على الجدار إلى ذات الفرس، فكما يصحّ أن يقال: إنّما كانت الصورة هكذا لأنّ ذات الفرس هكذا، ولا يصحّ أن يقال: ذات الفرس هكذا لأنّ الصورة هكذا، فكذا يصحّ أن يقال: إنّما علمت زيداً شرّيراً لأنّه كان في نفسه شرّيراً دون أن يقال: كان زيد في نفسه شرّيراً، لأنّي علمته شرّيراً. وفي المقام أبحاث شريفة تركنا ذكرها مخافة التطويل.

واعلم أنّ هذه الحجج لا اختصاص لها بالمجبّرة، بل الأشاعرة احتجّوا بها أيضاً، وهم المجبّرة حقّاً والجبر مذهبهم، كما عرفت سابقاً.

وربّما احتجّوا أيضاً بأنّه إن وجب صدور الفعل فلا اختيار وإلّا فلا صدور؛ لما تقرّر أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد.

وبتقرير آخر: جميع ما يتوقّف عليه الفعل إذا تحقّق فإمّا أن يلزم الفعل أو لا؛ وعلى الأوّل يلزم الاضطرار، وعلى الثاني تخلّف المعلول عن علّته التامّة، ونحن قد ذكرنا لهذه الشبهة أجوبة كثيرة لا مزيد عليها، وأطلنا الكلام فيها في رسالة مستقلّة في «الحسن والقبح العقليّين» وفي مقدّمة شرح المفاتيح وفي منية الممارسين وبغية الطالبين، والذي نقول هنا:

أوّلًا: أنّ هذه شبهة في مقابلة الضرورة والبداهة، فإنّ كلّ عاقل يفرّق بين حركة المرتعش وغيره، كما تقدّم.

وثانياً: أنّها منقوضة في حقّه تعالى من دون تفاوت، فما هو جوابكم فهو جوابنا.

وثالثاً: أنّ المرجّح للفعل أو الترك هو الإرادة، ولا تتسلسل؛ لأنّ المختار من كان فعله بإرادة لا من كانت إرادته بإرادة؛ لأنّ الإرادة معنى اعتباريّ انتزاعيّ لا يحتاج إلى المؤثّر.

ورابعاً: أنّ الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار كما حقّق في محلّه.

 

[بعض الأدلّة على بطلان مذهب المجبّرة]

ثمّ إنّ بطلان مذهب المجبّرة والأشاعرة القائلين باستناد جميع أفعال العباد إلى اللَّه تعالى قد دلّت عليه الآيات المتظافرة والنصوص المتواترة والبراهين العقليّة والأدلّة القطعيّة، بل الوجدان الذي يغني عن البرهان، ولا بأس بالإشارة إلى جملة من ذلك، فإنّا لو أطلقنا عنان القلم في هذا الباب لاحتجنا إلى تأليف كتاب مستقلّ كبير الحجم.

منها: أن يقال للأشاعرة - القائلين بخلق الأعمال والعبد يكتسبها منه، فالكسب لا يوجبها ولا يوجدها وإنّما يوجدها ويوجبها اللَّه على زعمهم -: هل يقدر العبد على ترك الكسب أم لا؟ فإن قالوا: نعم، قالوا بالاختيار، وحصل الوفاق، وإن قالوا: لا، فقد ساووا المجبّرة، بل هُم هُم.

ومنها: أن يقال لمن ادّعى نفي الاختيار عن العبد وأنّه مجبور: إنّ العقلاء ما يعرفون حقيقة الجبر للعبد إلّا إذا كان مختاراً فجبره غيره ومنعه من اختياره، وأنتم تزعمون أنّه ما كان مختاراً ولا كان له فعل حقيقة.

ومنها: أن يقال للأشاعرة والمجبّرة: إنّه لو كان كما زعمتم أنّه لا فاعل في العالم سوى اللَّه لزمكم أن يكون اللَّه تعالى قد أرسل الرسل إلى نفسه، وأنزل الكتب على نفسه، وكلّ وعد ووعيد وتهديد صدر على لسان الملائكة والأنبياء والأوصياء وفي كتبه فإنّه يكون على قول المجبّرة قد وعد ذلك نفسه وتوعّدها وتهدّدها.

وإذا جاز عند الأشاعرة عليه تعالى أن يضلّ العباد ويجبرهم على الفساد ويلبّس عليهم بالمحال ويصدّق الكذّابين بالمعجزات، ويظهر الدلالات الباهرات على أيدي المبطلين، فكيف يمكن إثبات نبوّة نبيّ وصحّة شريعته؟

ومنها: أنّ المجبّرة والأشاعرة يجوز على قواعدهم وعقائدهم - بل صرّحوا به - أن يجمع اللَّه - مع عدله وحكمته - الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وعباده الصالحين، فيخلّدهم في الجحيم والعذاب الأليم أبد الآبدين، ويجمع الكفّار والملحدين والزنادقة والمنافقين وإبليس والشياطين ويخلّدهم في الجنّة والنعيم أبد الآبدين، ويزعمون أنّ ذلك من الإنصاف والعدل؛ لأنّه يتصرّف في ملكه كيف يشاء، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ} [الأنعام: 91]، ومن أعجب ما يعتذرون به: أنّ أفعال العباد لو كانت صادرة منهم لكانوا شركاء اللَّه، فاقتضى التعظيم إسناد الأفعال كلّها إلى اللَّه، وهذا عذر أقبح من الفعل، إذ أيّ شركة تكون لعبد لم يكن شيئاً مذكوراً أوجده اللَّه تعالى بعد العدم تنسب قبائح الأفعال إليه دون ربّه ؟ وأيّ عقل يحكم بأنّ أفعال العبيد الذين هم بمكان من الضعف والحقارة أفعال اللَّه تعالى؟ وكيف يكون فعل الفاعل لذاته كفعل الفاعل بغيره؟ ولو فرض أنّ العبد يصدر منه فعل مثل فعل اللَّه لم يقتض ذلك أن يكون شريكاً له.

ومن أعجب ما يحتجّون به أنّ العبد لو فعل شيئاً باختياره كان ذلك دليلًا على عجز اللَّه، حيث يقع منه ما لا يريده من المعاصي، وهذه سفسطة؛ إذ أيّ عجز يلحق المالك إذا جعل عبده مختاراً في أفعاله وأعماله سواءً فعل العبد ما يكرهه مولاه أو يحبّه، مع قدرته على قهره وإعدامه، فأيّ عجز يلزم من ذلك؟ وأيّ قهر وغلبة للعبد؟ ألا ترى أنّ السلطان العظيم ربّما أنعم على من ليس على طريقته وجعله مختاراً في أمره مع عدم دلالة ذلك على عجزه وضعفه.

ومنها: أنّ الآيات الفرقانيّة والنصوص القرآنيّة على كثرتها قد تضمّنت أنّ الكفّار في يوم القيامة - الذي تنكشف به حقائق الأمور - لم يعتذروا بهذه الأعذار، بل يعترفون بأنّ المعاصي منهم كما حكى اللَّه عنهم، فقالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37]، ولم يقولوا: تعمل أنت غير الذي كنت تعمل، وقالوا وهم في النار: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107]، وقالوا: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99 - 100]، {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56] إلى غير ذلك من الآيات.

ومنها: أنّ الشيطان اعترف بأنّه أضلّهم، بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22]، وربّهم شهد بذلك حيث قال تعالى: {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25]، وهم نزّهوا الشيطان عن اعترافه بإضلالهم وغرورهم وقالوا: ما أضلّنا إلّا اللَّه، وردّوا شهادة ربّهم ونسبوا قبائح أفعالهم إليه تعالى.

ومنها: أنّهم وأمثالهم يعتذرون يوم القيامة بخلاف معتقدهم في الدنيا كما حكى اللَّه عنهم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 67 - 68]، مع أنّهم يعتقدون أنّ اللَّه هو المُضلّ لهم، وقالوا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29]، ويقولون هنا: اللَّه أضلّنا، وقالوا: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} [الشعراء: 99].

ومنها: أنّ اللَّه تعالى يقول: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، فإذا كان اللَّه هو الذي قتل المؤمن وقضاه وقهره عليه - بزعمهم - فلمن يهدّد؟ ومن يلعن؟ وكذا قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55].

ومنها: ما رواه كثير من المسلمين عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال يوماً لبعض المجبّرة: «هل يكون أحد أقبل للعذر الصحيح من اللَّه تعالى؟». فقال: لا. قال: «فما تقول فيمن قال: لا أقدر وهو لا يقدر، أيكون معذوراً أم لا؟» فقال المجبّر: يكون معذوراً. قال له: «فإذا كان اللَّه يعلم من عباده بأنّهم ما قدروا على طاعته، وقال لسان حالهم أو مقالهم للَّه ‌يوم القيامة: يا ربّ، ما قدرنا على طاعتك؛ لأنّك منعتنا منها، أما يكون قولهم في عذرهم صحيحاً على قول المجبّرة؟» فقال: بلى واللَّه. فقال (عليه السلام): «فيجب - على قولك - أن يقبل اللَّه هذا العذر الصحيح ولا يؤاخذ أحداً أبداً، وهذا خلاف قول أهل الملل كلّهم». فتاب المجبّر من القول بالجبر في الحال (4).

ومنها: ما رواه جمّ غفير من العامّة والخاصّة: أنّ الحجّاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصريّ، وإلى عمرو بن عبيد، وإلى واصل بن عطاء، وإلى عامر الشعبيّ أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم من القضاء والقدر.

فكتب إليه الحسن البصريّ: إنّ من أحسن ما انتهى إلينا ما سمعت من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: «أتظنّ أنّ الذي نهاك دهاك؟! إنّما دهاك أسفلك وأعلاك، واللَّه بريء من ذاك».

وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «لو كان الوزر في الأجل محتوماً لكان الموزور في القصاص مظلوماً».

وكتب إليه واصل بن عطاء: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «أيدلّك على الطريق، ويأخذ عليك المضيق؟!».

وكتب إليه الشعبيّ: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «كلّ ما استغفرت اللَّه عنه فهو منك، وكلّما حمدت اللَّه تعالى عليه فهو منه».

فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجّاج ووقف عليها، قال: لقد أخذوها من عين صافية (5)، هذا مع ما كان عليه الحجّاج من العداوة والنصب والبغض.

ومنها: ما رواه جملة من علمائهم: أنّ رجلًا سأل الصادق (عليه السلام) عن القدر، فقال: «ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو فعله، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو فعل اللَّه تعالى، يقول اللَّه تعالى للعبد: لِمَ عصيت؟ لِمَ فسقت؟ فهذا فعل العبد، ولا يقول: لِمَ مرضت؟ لِمَ قصرت؟ لِمَ ابيضضت؟ لِمَ اسوددت؟؛ لأنّه فعل اللَّه» (6).

ومنها: ما رووه أنّ الفضل بن سهل سأل عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) بين يدي المأمون، فقال: يا أبا الحسن، الخلق مجبورون؟

فقال (عليه السلام): «اللَّه أعدل من أن يجبر ثمّ يعذّب». قال: فمطلقون؟ قال: «اللَّه أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه» (7).

ومنها: أنّ بعض أهل العدل وقف على جماعة من المجبّرة فقال لهم: أنا ما أعرف المجادلة والإطالة، لكنّي أسمع في القرآن قوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64]، ومفهوم هذا الكلام عند كلّ عاقل أنّ الموقِد غير اللَّه، وأنّ المطفي للنار اللَّه، فكيف تقبل العقول أنّ الكلّ منه؟ وأنّ الموقد للنار هو المطفئ لها؟ فانقطعوا ولم يردّوا جواباً (8).

ومنها: ما حكي أنّه قيل للمجبّرة: نرى اللَّه قد استعظم في القرآن قول المشركين والكافرين، فقال: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 90]، ونحو ذلك ممّا استعظمه اللَّه تعالى، فإذا كان كلّ فعل وقول وقع منه وصدر عنه، فكيف يستعظم فعل نفسه وينكره؟ (9).

ومنها: ما حكي أنّه قيل لهم: إنّ اللَّه تعالى يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10] مَن هذا الذي قد خاب؟ فلم يكن لهم عن ذلك جواب (10).

ومنها: أنّ بعض العدليّة اجتاز على قوم من الجبريّة - وكان العدليّ راكباً - فقال له الجبريّ: انزل حتّى أسألك مسألة، فقال له العدليّ: أتقدر أن تسألني؟ فقال: لا، قال: أنا أقدر أن أنزل وأجيبك؟ قال: لا، فقال العدليّ: كيف يطلب نزولي من لا يقدر على سؤالي، ولا أقدر على نزولي إليه ولا جوابي؟ فانقطع الجبريّ (11).

ومنها: أنّ عدليّاً قال لمجبّر: ممّن الحقّ؟ قال: من اللَّه، قال: من المحقّ؟ قال: هو اللَّه، قال: فممّن الباطل؟ قال: من اللَّه، قال: فمن المبطل؟ فانقطع المجبّر ولم يقدر أن يقول هو اللَّه، تعالى عن ذلك، وكان يلزمه ذلك (12).

ومنها: ما حكي أنّه اجتمع عدليّ وجبريّ للمناظرة وجعلا بينهما حكماً، فقال العدليّ للجبريّ: هل من شيء غير اللَّه وما خلق؟ فقال الجبريّ: لا. فقال له العدليّ: فهل يعذّب الكفّار والعصاة على أنّه خلقهم؟ قال: لا. قال: فيعذّبهم على أنّه ما خلقهم؟ قال: لا. قال: فعلى أيّ شيء يعذّبهم؟ قال: لأنّهم عصوه. فقال له العدليّ: قد كذبت هاهنا، مَن يعصيه وأنت قد قلت: ليس في الوجود غير اللَّه وما خلق اللَّه؟! فقولك: يعصيه، مَن هذا العاصي؟ فانقطع المجبّر وحكم الحكمُ عليه (13).

ومنها: ما يحكى أنّ جماعة من اليهود اجتمعوا إلى أبي بحر الخاقانيّ فقالوا له: أنت سلطان عادل ومنصف، ومن المسلمين في بلدك المجبّرة وهم يشهدون لنا أنّنا لا نقدر على الإسلام والإيمان ويعيبون علينا في الأفعال والأقوال، فجمع المجبّرة وقال لهم: ما تقولون فيما ذكره اليهود من احتجاجهم عليكم؟ فقالوا: كذا نقول؛ إنّهم لا يقدرون على الإسلام والإيمان، وطالبهم بالدليل فعجزوا فنفاهم (14).

ومنها: أن يقال لهم: هذه المناظرة بيننا - هل هي بيننا في التحقيق - أو بين اللَّه وبين نفسه؟ فإن كانت بيننا فقد بطل ما تدّعونه أنّه لا فاعل سوى اللَّه، وإن كانت بين اللَّه وبين نفسه فهل تقبل العقول أنّ اللَّه يناظر نفسه، ويغلب نفسه، ويعجز نفسه.

وأيضاً المتناظران إذا كان أحدهما محقّاً والآخر مبطلًا، أو أحدهما عالماً والآخر جاهلًا، وكانت المناظرة بين اللَّه وبين نفسه - كما زعموا - يلزمهم أن يكون ربّهم متّصفاً بعلم وجهل، وغلبة وعجز.

ومنها: أنّ هذه الشكوك والجهالات الحاصلة للعباد من خصومكم ومخالفيكم حتّى تنتهي إلى اليقين، أو تخرج إلى المناظرة، إن كانت منهم فقد بطل ما تدّعونه من أنّه لا فاعل سوى اللَّه، وإن كانت من اللَّه كان كفراً صريحاً.

ومنها: أن يقال لهم: إنّ من كان جاهلًا ثمّ صار عالماً، ومن كان شاكّاً فصار ظانّاً ثمّ صار عالماً، ولا ريب أنّ الجهل والعلم والشكّ أفعال، فمن المتّصف بهذه الأفعال؟ فإن كان هو العبد فقد خرجتم عن مذهبكم، وإن كان هو اللَّه فقد كفرتم.

ومنها: ما رووه أنّ ثمامة كان في مجلس المأمون وأبو العتاهية حاضر، فسأل أبو العتاهية المأمون أن يأذن له في المناظرة مع ثمامة والاحتجاج عليه، فأذن له، فحرّك أبو العتاهية يده - وكان جبريّاً - وقال: من حرّك هذه؟

فقال ثمامة - وكان عدليّاً -: حرّكها من أمّه زانية.

فقال أبو العتاهية: شتمني يا أمير المؤمنين في مجلسك.

فقال ثمامة: ترك مذهبه يا أمير المؤمنين؛ لأنّه يزعم أنّ اللَّه حرّكها، فلأيّ سبب غضب أبو العتاهية، وليس للَّه‌ أم؟ فانقطع أبو العتاهية (15).

ومنها: ما أورده عليهم بعض شعراء العدليّة:

إذا كانت الأشيا من اللَّه كلّها * فذلك عذر للروافض في السبّ

لأنّ إله العرش في حكمه قضى * عليهم بهذا فالعتاب على الربّ (16).

ومنها: أنّ الآيات القرآنيّة تنادي بأفصح لسان على بطلان مذهبهم كما قال اللَّه تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، وهي صريحة في أنّ الطاغوت غير اللَّه، وقال تعالى حاكياً عنهم: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]، ونحو ذلك كثير.

ومنها: أنّ جبريّاً قال لعدليّ: أما ترضى أن يكون من خلق المعاصي لك ربّاً؟ فقال: لا واللَّه ولا عبداً. يعني لو كان لي عبد يخلق المعاصي ما رضيت به أن يكون عبدي، ولو عرض عليّ عبد يعمل المعاصي ويخلقها ما رضيت أن يكون في خدمتي.

إلى غير ذلك ممّا يلزمهم من العقائد الفاسدة والمذاهب الكاسدة، أعاذنا اللَّه وسائر المسلمين منها بمنّه وفضله.

 

فصل: [بعض الأدلّة على بطلان التفويض]

وأمّا بطلان التفويض والاستطاعة والقدر بالمعنى الذي تقدّم - كما ذهب إليه المعتزلة - فقد دلّت جملة من الآيات القرآنيّة والأخبار النبويّة من الطرفين على بطلان (17) ذلك: كقوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر: 52 - 53]، وقوله تعالى: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59]، وقوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12]، وقوله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]، وقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] ، إلى غير ذلك من الآيات.

وما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) مستفيضاً قال: «جفّ القلم بما هو كائن، اعملوا فالكلّ ميسّر لما خلق له» (18)، وما رواه ثقة الإسلام في الكافي، عن عليّ بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) قال: «يسلك بالسعيد في طريق الأشقياء حتّى يقول الناس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمّ تداركه السعادة، وقد يسلك بالشقيّ طريق السعداء حتّى يقول الناس ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمّ تداركه الشقاء، إنّ من كتبه اللَّه سعيداً وإن لم يبقَ من الدنيا إلّا فواق ناقة (19) ختم اللَّه له بالسعادة » (20)، وقد تقدّم جملة من الأخبار الدالّة على أنّه لا يكون شيء في السماء والأرض إلّا بقضاء وإرادة وقدر ومشيّة، وكتاب وأجل وإذن.

وما رواه في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ اللَّه خلق الخلق فعلم منهم ما هم صائرون إليه، وأمرهم ونهاهم؛ فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين وتاركين إلّا بإذن اللَّه» (21)، وعنه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللَّه: من زعم أنّ اللَّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللَّه، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة اللَّه، فقد كذب على اللَّه، ومن كذب على اللَّه أدخله النار» (22)،  وعن إسماعيل بن جابر، قال: كان في مسجد المدينة رجل يتكلّم في القدر والناس مجتمعون، قال: فقلت: يا هذا، أسألك ؟ قال: سَل. قلت: يكون في ملك اللَّه تبارك وتعالى ما لا يريد؟ قال: فأطرق طويلًا ثمّ رفع رأسه فقال: يا هذا، لئن قلتُ إنّه يكون في ملكه ما لا يريد، إنّه لمقهور، ولئن قلت إنّه لا يكون في ملكه إلّا ما يريد أقررت لك بالمعاصي. قال: فقلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): سألت هذا القدريّ فكان من جوابه كذا وكذا، فقال: «لنفسه نظر، أما لو قال غير ما قال لهلك» (23).

بيان الجواب عن السؤال أنّه تعالى لا يكون في ملكه ما لا يريد كما تقدّم سابقاً: أنّه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بسبع، وعدّ منها الإرادة، ولكن إرادته تعالى المتعلّقة بأفعاله: إيجادها، وبالطاعات: إرادة وجودها والأمر بها على سبيل التخيير، وبالمناهي: إرادة عدمها والأمر بتركها، وبالمباحات: إرادة تساويها في الفعل والترك، وقد تقدّم تفسير مشيّته تعالى وإرادته بما لا مزيد عليه.

وقيل للصادق (عليه السلام): أجبر اللَّه العباد على المعاصي؟ قال: «لا». قيل: ففوّض إليهم الأمر؟ قال: «لا». قيل: فإذاً؟ قال: «لطف من ربّك بين ذلك» (24)، وعن الصادق والباقر (عليهما السلام) قالا: «إنّ اللَّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، واللَّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون»، قال: فسُئلا عليهما السلام: هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: «نعم، أوسع ما بين السماء والأرض» (25).

بيان المعنى: إنّ اللَّه أعزّ وأقدر من أن يريد من العبد إرادة حتم وجزم فلا يكون ذلك الأمر، بل أراد أن تكون أفعال العباد باختيارهم فكان ذلك، وقد أراد تعالى من آدم كفّ النفس عن الأكل من الشجرة، ومن إبليس السجود لآدم، ومن الكافر الإيمان، ومن العصاة ترك المعاصي، ولم يقع المراد في هذه الصور، فعلم أنّ إرادته تعالى لم تكن على سبيل الحتم، بل كانت إرادة تخييريّة تكليفيّة.

والجبريّة والأشاعرة قالوا: إنّ اللَّه تعالى أراد أضداد هذه الأمور فلهذا وقعت، ولا يخفى قبحه.

ويحتمل أن يكون ضمير «يكون» راجعاً إلى الإرادة المفهومة من «يريد»، ويكون المعنى: أنّ اللَّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون إرادة ذلك الأمر، ويكون إرادة خلافه، ويكون ردّاً على من قال من المفوّضة: إنّه تعالى فوّض قبول أمره إلى العباد، بمعنى أنّهم إن قبلوا أمره فهو مراد له ويثيبهم، وإن لم يقبلوه - بأن فعلوا خلافه - فما فعلوه مراد له ويعاقبهم، وهذا أحد معاني التفويض.

وفي رواية العسكريّ (عليه السلام) (26) ما يدلّ على بطلانه بهذا المعنى.

وعن هشام بن سالم عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: «اللَّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، واللَّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد» (27)، ومعناه ما تقدّم.

وفي العيون والتوحيد عن الجعفريّ، عن الرضا (عليه السلام) قال: ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال (عليه السلام): «ألا أعطيكم في هذا أصلًا لا تختلفون فيه، ولا يخاصمكم عليه أحد إلّا كسرتموه؟» قلت: إن رأيت ذلك. فقال: «إنّ اللَّه (عزّ وجلّ) لم يُطَع بإكراه، ولم يُعْصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعة لم يكن اللَّه عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته، فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه».

ثمّ قال (عليه السلام): «من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم (28) من خالفه (29)، وفي الاحتجاج عن الثماليّ أنّه قال أبو جعفر (عليه السلام) للحسن البصريّ: «إيّاك أن تقول بالتفويض، فإنّ اللَّه (عزّ وجلّ) لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً» (30)، وفي التوحيد عن المفضّل، عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين». قال: قلت: ما أمر بين أمرين؟ قال: مَثَل ذلك مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته، فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية» (31)، وفي التوحيد عن عليّ بن يقطين، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بجماعة بالكوفة وهم يختصمون في القدر، فقال لمتكلّمهم: أباللَّه تستطيع؟ أم مع اللَّه؟ أم من دون اللَّه تستطيع؟ فلم يدر ما يردّ عليه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن زعمت أنّك باللَّه تستطيع، فليس إليك من الأمر شيء، وإن زعمت أنّك مع اللَّه تستطيع فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه، وإن زعمت أنّك من دون اللَّه تستطيع فقد ادّعيت الربوبيّة من دون اللَّه تعالى.  فقال: لا يا أمير المؤمنين، بل باللَّه أستطيع. فقال (عليه السلام): أمّا إنّك لو قلت غير هذا لضربت عنقك» (32).

بيان: لعلّ مراده (عليه السلام) بقوله: «باللَّه تستطيع» أنّ اللَّه يجبره على الفعل فلذا قال: «فليس إليك من الأمر شيء»، ولمّا نفى المتكلّم الثلاثة وقال: باللَّه أستطيع، وعلم (عليه السلام) أنّ مراده: أستطيع بما ملّكني اللَّه من الآلات، لم يرد عليه.

ويحتمل أنّ قوله (عليه السلام): «ليس لك من الأمر شيء»، أي أنّك غير مستقلّ بالفعل على سبيل التفويض، بأن لا يقدر اللَّه على ردّك، إلى غير ذلك من الأخبار.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: المطالب العالية، ج 9، ص 48 - 50.

(2) لم نعثر عليه.

(3) المطالب العالية، ج 9، ص 53.

(4) الطرائف، ج 2 ص 327 - 328؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 60؛ ونقله عن الطرائف في بحار الأنوار، ج 5، ص 58، ح 107.

(5)  الطرائف، ج 2، ص 329؛ كنز الفوائد، ج 1، ص 364؛ وعن الطرائف في بحار الأنوار، ج 5، ص 58 - 59، ح 108.

(6) الطرائف، ج 2، ص 330؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 59، ح 109.

(7) كشف الغمّة، ج 2، ص 306؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 49، ص 173، ح 9.

(8) الطرائف، ص 330 - 331.

(9) المصدر السابق.

(10) المصدر السابق.

(11) المصدر السابق.

(12) المصدر السابق، ص 331 - 332.

(13) المصدر السابق.

(14) المصدر السابق.

(15) المصدر السابق، ص 341.

(16) لم نعثر عليه.

(17) الظاهر: زيادة «بطلان».

(18) راجع: عوالي اللآلي، ج 4، ص 22؛ مسند أحمد، ج 1 ص 307، مع تفاوت كثير في ألفاظه.

(19) فُواق الناقة وفَواقها: هو ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنّ الناقة تحلب ثمّ تترك وقتاً يرضعها الفصيل‌ لتدرّ، ثمّ تحلب، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع. انظر: القاموس المحيط، ج 2، ص 1219 (فوق)؛ التعليقة للداماد، ص 374.

(20) الكافي، ج 1، ص 154، باب السعادة والشقاء، ح 3؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 159، ح 15.

(21) الكافي، ج 1، ص 158، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح 5؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 37، ح 55.

(22) الكافي، ج 1، ص 158، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح 6؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 51، ح 85.

(23) الكافي، ج 1، ص 158، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح 7.

(24) المصدر السابق، ح 8.

(25) المصدر السابق، ح 9.

(26) المرويّة في الاحتجاج، ج 1، ص 311.

(27) الكافي، ج 1، ص 160، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح 14؛ المحاسن، ج 1، ص 296، ح 464؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 41 - 64.

(28) في العيون: «خاصم».

(29) عيون الأخبار، ج 1، ص 144، ح 48، التوحيد، ص 361، ح 7؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 16، ح 22.

(30) الاحتجاج، ج 2 ص 327؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 17، ح 26.

(31) التوحيد، ص 362، ح 8؛ بحار الأنوار، ج 4، ص 197.

(32) التوحيد، ص 352 - 353، ح 23؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 39، ح 61.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد