وفي السنة 111ق.م.، نشب خلاف في نوميدية في أفريقية بين الملكين «يوغورثة Jugurtha» و«أذربعل Adherbal». فاستغاث أذربعل برومة، فأنفذ السناتوس لجنة من أعضائه، قسمت نوميدية بين الملكين، فلم يعبأ يوغورثة بالتقسيم، بل حاصر منافسه في عاصمته، ثم استولى عليها وقتله قتلًا. فأعلنت روما الحرب على يوغورثة، وأنفذت قوة إلى أفريقية لإخضاع نوميدية وملكها. وتولى قيادة الحملة القنصل «كلبورنبوس Calpurnius»، ولدى وصوله إلى أفريقية صالح خصمه بدلًا من إخضاعه (110)، وشاع في رومة أن هذا القنصل الشريف القائد قَبِل رشوة كبيرة، ففاوض وصالح بدلًا من الحرب والإخضاع. وسار هذا الخبر على الأفواه وملأ الأسماع، فطالب ممثل الشعب التريبون «مميليوس Mamilius» التحقيق وإنزال العقاب عند ثبوت الجرم. ومما زاد في الطين بلة أنه لما رفض السناتوس المصالحة، وأوجب خوض غمار الحرب، أخفق الجيش الروماني في جولاته الأولى، واستسلم القائد «البينوس Ablinus» مع جيشه (110). وعلى الرغم من نجاح الجيش الروماني بعد ذلك بقيادة «متلوس Metellus»، فإن الشعب طالب في السنة 108 بقنصل من أفراده يتولى قيادة القوات في أفريقية. فانتُخب «غايوس ماريوس Gaius Marius» بأكثرية ساحقة، وسُلِّم القيادة في أفريقية رغم تردد السناتوس.

غايوس ماريوس.
وكان ماريوس في صبوته حارثًا في الأرض، ولم يولد في رومة، بل في «أربينوم Arpinum»، ولم يكن مثقفًا مهذبًا، ولم يصل إلى التريبونة في السنة 119 قبل الميلاد إلَّا بمساعدة الأسرة الرومانية «الكريمة Metelli»، ولكنه كان جنديًّا قديرًا. وكان قد أصبح في السنة 108 «معاونًا legatus» لقائد الحملة على أفريقية Metellus، ولم يلمع في أفريقية؛ فإن القائد الذي قبض على يوغورثة في السنة 106 كان Sulla مناظره فيما بعد، ولكنه وُفق توفيقًا باهرًا في محاربة قبائل «الكيمبري Cimbri» و«التوتون Teuton» في السنتين 102 و101، وأعمل في رقابهم سيفه وسيوف جنوده، وأفناهم بعد أن هَزَموا رومة هزمات متتالية، وعبروا حدودها الشمالية، وهددوا كيانها تهديدًا.
وعُني ماريوس بالجيش، فألغى العادة القديمة التي كانت تحظر الخدمة العسكرية على من لم يكن من ذوي الأملاك، وتحصرها في الملاكين. وأدخل في الجندية الفقراء، فلم يلبث جماعة كهؤلاء ليس لهم من حطام الدنيا شيء أن اتخذوا الجندية مهنة لهم، وبرعوا في الحركات العسكرية، وأصبحوا قادرين أن يقوموا بمناورات يستحيل على المواطنين الذين يخدمون في الجندية أمدًا قصيرًا أن يقوموا بمثلها. وعاد ماريوس فنظم «الليجيو legio» الفرقة الرومانية من جديد، فرفع عدد رجالها من أربعة آلاف وخمسمائة إلى ستة آلاف، وقسَّمها إلى عشرة «أفواج cohortes»، وجعل الفوج الوحدة الحربية المناورة، فأكسب صفوفه الأمامية ترصصًا لم تعرفه قبلئذٍ، وأطال مدة الخدمة فجعلها عشرين سنة، فأبعد بذلك طبقة الأشراف والأغنياء، واعتمد طبقات الشعب السفلى، فزاد العامة قوة في السياسة وأضعف الخاصة. وأمست الخدمة العسكرية مهنة يمتهنها الجنود والضباط متضامنين متكافلين، مرتبطين بقائد فرد يحافظ على مصالحهم، ويقودهم إلى النصر والعزة.
ولكن مع ما كان عليه ماريوس من المقدرة العسكرية في التنظيم والمناورة، فإنه لم يكن سياسيًّا محنَّكًا، وعلى الرغم من انتخابه لمركز القنصلية ست مرات بين السنة 104 والسنة 100، اضطر أن يتنحى في النهاية عن منصبه، وأن يرى السيادة والكلمة العليا تعودان إلى السناتوس، لكن زعامته علَّمت العامة كيف يفوزون على السناتوس والأشراف بإجماعهم على اختيار قائد حربي، لا تقوم سلطته بالطرق السلمية، بل باستعمال القوة العسكرية، أي بالطرق غير المشروعة (1).
.........................................
1- Sources: GREENIDGE, and CLAY; PASSERINI, A., Athenarum, 1939; Last, H., The Wars of the Age of Marius, Cam. Anc. Hist., IX, 102–156; PASSERINI, A., Caio Mario Come Uomo Politice, Athenacum, 1934.