
الشعب الروماني يلح على بومبايوس بوجوب مساعدة متلرس ضد سرتوريوس في إسبانية.
وعلى إثر وفاة سولَّا، عاد الشعب الروماني إلى المطالبة بحقوقه المسلوبة، وكان قد تعلم أن يستفيد من الزعيم العسكري، فوجد ضالَّتَه هذه المرة في شخص «بومبايوس Gnaeus Pompeius»، أحد ضباط سولَّا الذي كان منذ عهد قريب قد امتاز في العمليات الحربية في إسبانية. فانتخبه الشعب قنصلًا في السنة 70ق.م.؛ لأنه وعد بإلغاء قوانين سولَّا المكروهة. وبر بومبايوس بوعده، فضمنت له خدمته هذه إمرة حربية من الدرجة الأولى في الخطورة.
(1) بومبايوس والقرصنة والشرق

اغتيال سرتوريوس في إسبانية في السنة 72ق.م.

غنايوس بومبايوس.
وبلغ من إهمال السناتوس أن ترك سفن التجارة تحت رحمة لصوص البحر، الذين غشوا البحر المتوسط، وبلغت بهم القحة أن ظهروا عند مصب التيبر ينهبون ويحرقون، وخطفوا بعض موظفي الحكومة في الطريق على مسافة بضعة كيلومترات من رومة، واستولوا على ذخيرة الحنطة المرسلة من مصر وأفريقية إلى العاصمة الرومانية. فاقترح التريبون غابينيوس قانونه الشهير Lex Gabinia، الذي قضى بتقليد قائد قدير صلاحيات واسعة، تشمل البحر المتوسط بكامله، والأراضي المتاخمة لمسافة خمسة وسبعين كيلومترًا من الشاطئ (67 ق.م.)، فاعترض السناتوس، واحتج أعضاؤه، ولكن دون جدوى. وأُسندت القيادة إلى بومبايوس، فجرد مائة وعشرين ألف مقاتل ومائتين وسبعين سفينة حربية، ولم تمرَّ أربعون يومًا على تعيينه لهذه القيادة، حتى كان قد طهَّر غرب البحر المتوسط، ثم أبحر شرقًا، ولم يمضِ على وصوله إلى بحر إيجه سبعة أسابيع، حتى كان قد استأصل شأفة لصوصه، وخرب حياض سفنهم وحصونهم. وفي السنة التالية اتسع نطاق إمرته حتى شمل قيادة الحرب ضد مثراداتس ملك البونط في شمال آسية الصغرى وشرقها. وكانت قيادة هذه الحرب قبلًا بإمرة «لوكولوس Lucullus»، القائد الروماني القدير الذي كسر شوكة مثراداتس، وقهر مملكة أرمينية المترامية الأطراف يوم كان تغرانس ملكًا عليها. ولذلك لم يجد بومبايوس صعوبة في إخضاع مثراداتس، ولم يكن عليه إلا أن يقبل خضوع تغرانس، الذي قدَّمه طوعًا من تلقاء ذاته، ثم سحق بومبايوس البقية المتخلفة من مملكة السلوقيين (64-63ق.م.)، وجعل سورية ولاية رومانية، وأدخل اليهود في حكم رومة، وقبل رجوعه كانت الفرق الرومانية التي تحت قيادته قد زحفت على أراضي الفرات، وأشرفت على بحر قزوين. ولم يشهد الشرق فتوحات كهذه منذ الحملات المقدونية، فخُيِّل للعموم أن إسكندرًا جديدًا ظهر في العالم بشخص بومبايوس، زاحفًا على الشرق تحت أعلام النصر (1).
(2) مؤامرة كتيلينة
وعاد في السنة 66 إلى رومة «لوكيوس كتيلينة Catilina» حاكم أفريقية طامعًا في القنصلية، ولكنه ما كاد يصل إلى العاصمة حتى علم أنه متَّهم بالتظلم وابتزاز المال، وأنه، والحالة هذه، لا يجوز له أن يرشح نفسه لمثل هذا المنصب الخطير. وجرى مثل هذا تقريبًا لكل من «أوترونيوس Autronius» وسولَّا نسيب الدكتاتور، فإنهما اتُّهما بالرشوة، فتآمر الثلاثة على اغتيال القنصلين الجديدين في السنة 65، ثم افتضح أمرهم فباءوا بالفشل. وفي السنة 65 مَثُل كتيلينة أمام القضاء بدعوى التظلُّم وأُعلنت براءته، فرشح نفسه لمنصب القنصلية مع أنطونيوس، فأخفق لتفوق شيشرون، فحزَّ ذلك في صدره، ودفعه إلى استمالة المتذمرين، فطالب بإلغاء الديون، ولما لم يجده هذا نفعًا جمع حوله جماعة كبيرة من أهل البغي والشر، وحاول بواسطتهم أن يغتصب السلطة، ويقبض على أزمة الحكم، ولكنه لم يفُزْ بالمرام؛ لأن شيشرون كان له بالمرصاد فأحبط مساعيه، فزينت له نفسه أن يعمد إلى القتال، فقاتل هو ورجاله مستبسلين في أترورية، وما فتئوا حتى هلكوا عن آخرهم (2).
(3) التحالف الثلاثي
ولما عاد بومبايوس إلى إيطالية يجر أذيال الفخار كفاتح الشرق العظيم تسرَّع فسرَّح جنوده، فلما طلب إقرار إجراءاته في آسية الصغرى وإقطاع جنوده بعض الأراضي امتنع السناتوس عن الموافقة، فانبرى لمعاضدته بطل جديد هو يوليوس قيصر، ثم تمكنا من استمالة رجل من نبلاء الرومانيين وأغنيائهم اسمه «كراسوس Crassus»، وذلك في السنة 60 ق.م.، فآل هذا الاتفاق الشخصي بين هؤلاء الثلاثة إلى القبض على أزمة الحكم. وكانت النتيجة انتخاب قيصر للقنصلية في السنة 59، ويتوسع المؤرخون المحدثون فيطلقون على هذا التحالف الثلاثي الشخصي اللفظ اللاتيني triumviri لجنة الثلاثة، أو حكم الثلاثة. والواقع أن هذا الاصطلاح لم يُطلَق رسميًّا على هؤلاء الثلاثة، بل على حكم أنطونيوس ولبيدوس وأوكتافيانوس، وذلك في السنة 43 ق.م.
................................................
1- Sources: PLUTARCH, Sertorius, Lucullus, Pompeius; APPIAN, Bell. Civ., I, 80 f.—Mod.: LAST and GARDNER, Rise of Pompey, Cam. Anc. Hist., IX, 313–349; ORMEROD and CARRY, Rome and the East, C.A.H., IX, 350–395; BOAK, A.E.R., The Extraordinary Commands from 80 to 48 B.C., Am. Hist. Tev. 1918-1919; GUSE, F., Die feldzuge des dritten Mithradatischen Krieges, Klio, 1926; LANZANI, C., Silla e Pompeio, Historia, 1933.
2- BOISSIER, G., La Conjuration de Catilina, (1905); HARDY, E.G., The Catilinarian Conspiracy, (1924); CARRY, M., Cam. Anc. Hist., IX, 475–504.