النبي الأعظم محمد (صلّى الله عليه وآله) عندما يبدأ شهر رمضان يخطب أمام المسلمين، وينوّه إلى فضل شهر رمضان المبارك فيقول: ((أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَد أَقبَلَ إِلَيكُم شَهرُ اللهِ بِالبَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ. شَهرٌ هُوَ عِندَ اللهِ أَفضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهرٌ دُعِيتُم فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلتُم فِيهِ مِن أَهلِ كَرَامَةِ الله. أَنفَاسُكُم فِيهِ تَسبِيحٌ، وَنَومُكُم فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُم فِيهِ مَقبُولٌ، وَدُعَاؤُكُم فِيهِ مُستَجَابٌ، فَاسأَلُوا اللهَ رَبَّكُم بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَن يُوَفِّقَكُم لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَن حُرِمَ غُفرَانَ الله فِي هَذَا الشَّهرِ العَظِيمِ. وَاذكُرُوا بِجُوعِكُم وَعَطَشِكُم فِيهِ، جُوعَ يَومِ القِيَامَةِ وَعَطَشَهُ...)) (1).
فالجنان أبوابها مفتّحة، وأبواب نيرانها مغلقة، والشياطين مغلولة، والنّوم عبادة، والأنفاس فيه تسبيح، وفي حديث آخر: ((وَالّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ (2) فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ)) (3).
والسؤال المهم هنا: لماذا يصنع الله تبارك وتعالى ذلك؟
فهل طلبُهُ عبادَتَنا احتياجٌ منه لها؟
وهل هذه العبادة تحقق له نفعًا، أو تكمّل له نقصًا؟
"تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا"
لماذا يتقرّب الله تعالى إلينا؟
ألم نقرأ في دعاء الافتتاح: ((اللهُمَّ إِنَ عَفْوَكَ عَنْ ذَنْبِي، وَتَجَاوُزَكَ عَنْ خَطِيئَتِي، وَصَفْحَكَ عَنْ ظُلْمِي، وَسَتْرَكَ عَلَى قَبِيحِ عَمَلِي، وَحِلْمَكَ عَنْ كَثِيرِ جُرْمِي، عِنْدَ مَا كَانَ مِنْ خَطَئِي وَعَمْدِي، أَطْمَعَنِي فِي أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَا أَسْتَوْجِبُهُ مِنْكَ، الَّذِي رَزَقْتَنِي مِنْ رَحْمَتِكَ، وَعَرَّفْتَنِي مِنْ إِجَابَتِكَ، وَأَرَيْتَنِي مِنْ قُدْرَتِكَ، فَصِرْتُ أَدْعُوكَ آمِنًا، وَأَسْأَلُكَ مُسْتَأْنِسًا، لَا خَائِفًا وَلَا وَجِلًا، مُدِلًّا عَلَيْكَ فِيمَا قَصَدْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَإِنْ أَبْطَأَ عَنِّي، عَتَبْتُ بِجَهْلِي عَلَيْكَ، وَلَعَلَّ الَّذِي أَبْطَأَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي؛ لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ، فَلَمْ أَرَ مَوْلًى كَرِيمًا أَصْبَرَ عَلَى عَبْدٍ لَئِيمٍ مِنْكَ عَلَيَّ، يَا رَبِّ إِنَّكَ تَدْعُونِي فَأُوَلِّي عَنْكَ، وَتَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ إِلَيْكَ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَيَّ فَلَا أَقْبَلُ مِنْكَ، كَأَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ بِي، وَالْإِحْسَانِ إِلَيَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَارْحَمْ عَبْدَكَ الجَاهِلَ، وَجُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ إِحْسَانِكَ، إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيم)) .
هناك ملاحظة مهمّة قبل بيان أهمّيّة هذه الفقرة من دعاء الافتتاح، ألا وهي: إنَّ كلام القرآن الكريم، وأدعية المعصومين (عليهم السلام)، وكلماتهم وزياراتهم (عليهم السلام)، لا يوجد شيء فيها يطلق عليه زيادة، وإنَّما كلام بليغ يمتنع وجود الزيادة المحضة فيه، ولذلك نبَّه النحويون على أنَّ القرآن الكريم أو كلام المعصومين (عليهم السلام)، لا يحتوي على شيءٍ زائد، وأنَّهم إذا ذكروا الزيادة ونحو ذلك فإنَّ مقصودهم بذلك ضبط قوانين الإعراب، وأنَّ حذف هذه الحروف لا يُخلّ بالإعراب، ولا يُخرج الكلام عن قوانين العربيّة، ويبقى بعد ذلك بيان الفروق الدقيقة بين معنى الكلام بالزيادة، ومعناه بغيرها، وتلك وظيفة من كان مختصاً في علم البلاغة؛ ولذلك التّأمّل في هذه الأدعية نافع جدًّا للتّوجّه إلى الله تعالى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأمالي، للصدوق: ص 93.
(2) الخلوف: هو تغيّر رائحة الفم؛ لما يحدث من خلوّ المعدة بترك الأكل، وقيل: هو تغيّر أصل طعم الفمّ وريحه بتأخير الطعام، يُقال: خلف فوه خلوفًا ـ بالفتح ـ في الماضي، ـ وبالضمّ ـ في المستقبل، إذا تغيّر. وعن البغوي أنّه قال: استطابة الريح من صفة الحيوان الذي له طبع يميل به إلى الشيء فيستطيبه أو ينفر به عن آخر فيستقذره، فنسبة الاستطابة إليه تعالى مجاز واستعارة. وقيل: معناه ينال صاحبها من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا. وقيل: المعنى هي أطيب عندي من ريح المسك وإن كانت عندنا بضدّ ذلك. وقيل: المعنى أنّ الله يُثيب عليها ما لا يثيب على رائحة المسك إذا تطيّب به للصلاة يوم الجمعة. شرح فروع الكافي، للمولى محمد هادي بن محمد صالح المازندراني (ت: 1120هـ)، دار الحديث للطباعة والنشر، قم 1429هـ، الأولى: 4 / 12.
(3) دعائم الإسلام: 1 / 270.
(4) تهذيب الأحكام، تحقيق الخرسان: 3 / 89.