تُعدّ النيوكليوتيدات من أكثر الجزيئات أهمية في الأنظمة الحيوية، إذ لا يقتصر دورها على تكوين الأحماض النووية، بل تمثل محورًا أساسيًا في ديناميكية الطاقة داخل الخلية. يتكوّن النيوكليوتيد من قاعدة نيتروجينية وسكر خماسي ومجموعة فوسفات، وترتبط مجموعة الفوسفات عند الموقع 5′ من سكر الريبوز برابطة إستر. ويمكن أن يرتبط بهذه المجموعة فوسفات إضافي أو اثنان، مكوّنة النيوكليوزيد أحادي الفوسفات (NMP) أو ثنائي الفوسفات (NDP) أو ثلاثي الفوسفات (NTP). وفي حالة ثلاثي الفوسفات، كما في الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP)، تُسمّى مجموعات الفوسفات α وβ وγ ابتداءً من الأقرب إلى السكر.
تكمن الأهمية البيوكيميائية لهذه الجزيئات في قدرتها على تخزين الطاقة الكيميائية في روابط الفوسفوأنهيدرايد بين مجموعات الفوسفات. فبينما تُعد الرابطة بين السكر وأول فوسفات رابطة إستر تقليدية، فإن الروابط بين α وβ، وكذلك بين β وγ، تُصنّف كروابط فوسفوأنهيدرايد ذات محتوى طاقي مرتفع نسبيًا. وعند التحلل المائي لهذه الروابط، يتحرر مقدار كبير من الطاقة الحرة القياسية، ما يجعل ATP جزيئًا مثاليًا للاقتران بالتفاعلات التي تتطلب طاقة.
إن السبب في ارتفاع الطاقة الحرة الناتجة عن تحلل ATP لا يعود إلى “طاقة مخزنة” في الرابطة بحد ذاتها، بل إلى طبيعة النواتج بعد التحلل. فإزالة إحدى مجموعات الفوسفات تؤدي إلى تقليل التنافر الكهروستاتيكي بين الشحنات السالبة المتقاربة في الجزيء الأصلي، كما ينتج عن التحلل جزيئات أكثر استقرارًا بفضل ظاهرة الرنين (resonance stabilization)، إضافةً إلى زيادة في الإنتروبيا نتيجة تكوّن عدد أكبر من الجزيئات. هذه العوامل مجتمعة تجعل عملية التحلل مفضّلة حراريًا.
يلعب ATP دورًا محوريًا في اقتران التفاعلات (reaction coupling)، وهي آلية أساسية في الأيض الخلوي. فالتفاعلات التي تكون طاقتها الحرة موجبة ولا تحدث تلقائيًا يمكن دفعها عند اقترانها بتحلل ATP ذي الطاقة الحرة السالبة، وبذلك يصبح مجموع التغير في الطاقة الحرة للتفاعل الكلي سالبًا، فيتحرك الاتزان نحو تكوين النواتج. وتُعد هذه الآلية حجر الأساس في التخليق الحيوي للجزيئات المعقدة مثل البروتينات والدهون والسكريات المتعددة.
ولا يقتصر الأمر على ATP، إذ تُستخدم نيوكليوزيدات ثلاثية الفوسفات أخرى مثل GTP في عمليات الترجمة وبناء الأنابيب الدقيقة، وUTP في تنشيط بعض السكريات أثناء التخليق الحيوي، وCTP في استقلاب الدهون. كما تُعد هذه الجزيئات نفسها مواد أولية مُنشَّطة في تخليق الأحماض النووية؛ فـ NTPs تُستخدم في بناء RNA، بينما dNTPs تُستخدم في بناء DNA، حيث توفر طاقتها الذاتية القوة الدافعة لتكوين الروابط الفوسفوإستيرية في السلسلة النامية.
وعليه، فإن النيوكليوتيدات تمثل نقطة التقاء بين الوراثة والطاقة والأيض، إذ تجمع في بنيتها بين تخزين المعلومات ونقل الطاقة ودفع التفاعلات الحيوية. إن فهم دورها لا يقتصر على إدراك آلية عمل جزيء واحد، بل يكشف عن مبدأ أساسي في الحياة: أن استمرار العمليات الحيوية يعتمد على إدارة دقيقة للطاقة على المستوى الجزيئي، تقودها تفاعلات محسوبة تحكمها قوانين الديناميكا الحرارية داخل بيئة الخلية المنظمة.







د.فاضل حسن شريف
منذ 3 ايام
بين الجامعة والوسط الأدبي
حسين مني وأنا من حسين
وفد المرجعية .. عمل دؤوب لا إعلام كذوب
EN