إنّ البحث في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا يقتصر على سرد مناقب تاريخية أو بطولات عسكرية، بل هو بحث في موقعه من صميم المشروع الإلهي، وفي دوره التكويني والرسالي بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). ومن هنا تتجلى أهمية ما بيّنه السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) حين تحدّث في إحدى محاضراتة عن سرّ قتال أمير المؤمنين بين يدي رسول الله، حيث أوضح أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يباشر القتل بسيفه مع أنه أشجع الخلق، وأن من قُتل بسيف النبي له خصوصية الرحمة والبركة، بينما كان الذي يتولى القتال والتنفيذ هو علي (عليه السلام)، وأن من قُتل بسيف علي فإنما يهلك بكفره وسوء عمله.
وهذا البيان ليس تحليلاً عقلياً مجرداً، بل هو في حقيقته شرحٌ حيّ لما ورد في الروايات النورانية المروية عن أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيما ما نقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج٢٦ص٤ حديث سلمان وأبي ذر، حيث يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «كنت أنا ومحمد نوراً واحداً من نور الله… صار محمد صاحب الجنة وصرت أنا صاحب النار أقول لها خذي هذا وذري هذا».
فعند التأمل يتضح أن ما تكلم عنه السيد الشهيد في أمر قتال علي (عليه السلام) هو بعينه مضمون هذه الرواية، لأن تولّي أمير المؤمنين للقتل والقتال ليس مجرد وظيفة عسكرية، بل هو مظهر لدوره التكويني بوصفه قسيم الجنة والنار. فالسيف الذي كان بيد علي لم يكن سيفاً حربياً فحسب، بل كان ميزاناً إلهياً يفرز الناس إلى فريقين؛ فريق يثبت على الإيمان فينجو، وفريق يصرّ على الكفر فيهلك. ومن هنا نفهم أن من يُقتل بسيف علي إنما يهلك لأنه قد استحق النار بباطنه وعقيدته، فكأن سيف علي يكشف الحقيقة ولا يصنعها.
وعلى هذا الأساس يتضح سرّ عدم مباشرة النبي للقتل، لا لقصور أو ضعف حاشاه، بل لأن مقامه مقام الرحمة العامة والهداية الشاملة، فهو كما وصفه القرآن: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، فوجوده وجود احتضان وإنقاذ، بينما كان لا بد للرسالة من يدٍ تقيم العدل وتنفذ الحكم وتفصل بين الحق والباطل، فكانت هذه اليد يد علي (عليه السلام). وهنا تتكامل الصورتان النبي مظهر الرحمة، وأمير المؤمنين مظهر العدالة.
فمحمد (صلى الله عليه وآله) يدعو ويُنذر ويهدي بالكلمة، وعلي (عليه السلام) يحمي الدعوة ويقيم الحدود بالسيف. محمد صاحب الجنة لأنه باب الرحمة، وعلي صاحب النار لأنه ميزان العدالة. وليس المقصود الاستقلال في الحكم، بل بإذن الله وضمن المشيئة الإلهية، أي أن ولايته هي المعيار الذي يُعرف به أهل الجنة من أهل النار، ولذلك قيل في حقه: «قسيم الجنة والنار».
وبهذا المعنى نفهم أن كلام السيد الشهيد (قدس سره) لم يكن إلا تفسيراً عملياً للرواية، فحين قال إن النبي كان يقتل الكفار بسيف علي ويد علي، كان يشير إلى أن علي هو المظهر التنفيذي للقضاء الإلهي في الأرض، وهو الامتداد الطبيعي للرسالة بعد النبي. فكما أن النبوة تمثل جانب الرحمة والهداية، فإن الإمامة تمثل جانب العدل وإقامة الحق، ومن مجموعهما يكتمل المشروع الإلهي.
ومن هنا تتجلى القاعدة التي يمكن أن نعبّر عنها بوضوح: نبينا نبي رحمة، وأميرنا أمير عدل. الرحمة تفتح باب النجاة، والعدل يضع كل إنسان في موضعه، ومن اجتمع له حب محمد وولاية علي فقد جمع بين الرحمة والعدل معاً، وذلك هو طريق النجاة الحقيقية.
وعليه، فإن فهمنا لشخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصفه قسيم الجنة والنار يفتح أمامنا فهماً أعمق لدور الإمامة في التاريخ، ويجعلنا نرى أن خط علي هو خط إقامة الحق مهما كلّف الثمن، وهو الخط نفسه الذي سيبلغ كماله في دولة ولده الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، حيث تتجسد الرحمة المحمدية والعدالة العلوية معاً في دولة العدل الإلهي.
نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بولايتهما، والسائرين على نهجهما، والممهّدين لدولة الحق.







د.فاضل حسن شريف
منذ 4 ايام
أبنائي الطلبة
عراق الحسين (ع) - من وحي الأربعينية
ماذا لو تخلى العرب عن لغتهم ؟
EN