الظلمة في بغداد قيدٌ يطبق بفكّيه على خناق الوجود، فيما العقارب المعلّقة على الجدار سيافٌ يقطع الوقت دقيقةً دقيقة، ليقذفها مسخاً في جوف الفراغ... منذ البارحة، والخواء يتمثل أمام عينيه في قصاصةٍ مطفأة، حُشدت فيها أرقامٌ مذهلة بوسعها أن تطفئ نور النهار. المقابل: "جرة قلم"، لفتة حبر عابرة تشرع النوافذ لرياح رذيلةٍ مستترة، وتعبر بكينونته من مستنقع الحرمان الضاري إلى قشور الترف الزائف
سبع سنوات وهو يطحن عمره في تروس وظيفة عقيمة، يحمل لقباً لزجاً: "الرجل النزيه". لكنه أدرك متأخراً أن النزاهة وهمٌ اخترعه الأثرياء لترويض جوع الفقراء؛ فهي لا تدفع إيجار جحره، ولا تكفّ عنه نهم الديون التي تتكاثر كالجراد، تاركةً إياه يداري عورته أمام نظرات الدائنين التي تنهش كرامته.
عند النافذة، سحب نَفَساً من سيجارته الأخيرة. رمق الدخان المتصاعد؛ خلاصة حياته مجرد رمادٍ وتبدّد. فكّر بحبيبته التي تآكلت على أرصفة الانتظار الأعرج. هذا المال كفيل بجمعها، لكنّ البيوت في هذا العالم ليست سوى زنزانات منمّقة. تأمّل الجمرة التي تحرق نفسها لتنتهي إلى لا شيء، ثم قذفها بازدراء نحو العتمة ومضغ غصته:
"أيّ طمأنينة يُرجى بناؤها على ركائز من سُحت؟ الشر لا يلد إلا مسخاً."
استنطقت أصابعه علبة السكائر فجاءته خاوية كعمره المهدور. ومع غياب الدخان، زحفت جيوش الأفكار القاتمة لتمزق نسيج ذهنه، واضعةً إياه في ساقيةِ شقاءٍ لا تنتهي؛ حيث الضمير ينازع الموت، والواقع يفرش البساط القرمزي احتفاءً برحلته نحو الانتحار الأخلاقي
وفجأة، خرق الصمت الجنائزي رنين الهاتف. انشق الظلام عن وهج الشاشة الميت، والتقط الرقم المجهول بـيدٍ ترتعش فيها بقايا الآدمية. وضعه على أذنه، فجاءه الصوت خافتاً وحاسماً كفصل المقصلة: "ها.. انقضى ليل الحيرة.. هل أنت موافق؟
تسمّرت الكلمات في حنجرته الميتة. شعر بقلمه القابع في جيبه كأنه صليبٌ من رصاص يزن طناً، ينتظر أن يُصلب عليه. وعمّ صمتٌ يسبق الارتطام الأخير؛ صمتٌ معلّق بين انتحاره الأخلاقي، أو بقائه حياً في مقبرة الفقر.







وائل الوائلي
منذ 36 دقيقة
بعض العلم يقتنص أفراحنا
عناوين أم عنوانات؟
كيف تجتهد في دراستك؟
EN