طقوس عاشوراء بين النقد العقلاني والواقعية الاجتماعية
كيف تفشل العقلانية وينجح الوعي الاجتماعي التدريجي ليسمو بالطقوس الى واقع اكثر عقلانية؟
في الأعم الأغلب توجه إلى المجتمعات خطابات النقد ومطالبات مستمرة بالارتقاء والتقدم، وكأن المجتمع يمتلك شخصية مستقلة تتخذ قراراتها بصورة مباشرة، الأمر الذي يقتضي أولا إعادة النظر في مفهوم الشخصية المستقلة للمجتمع، أو ما يُعبر عنه باستقلال الوجود الاجتماعي, فالمجتمع فيما يظهر منه هو مجموعة تفاعلات تنتج عنها أحداث وظواهر, تخضع للتحليل الميداني, والتفكيك بين عناصر الظاهرة, من خلال مناهج محددة, بعيدا عن الاحكام المطلقة الناتجة عن انطباعات تمثل زوايا نظر غير قابلة للتعميم, وهذه من أبرز مشكلات التحليل الاجتماعي هي قصور الإحصاء في قياس الظاهرة الاجتماعية, وإطلاق أحكام غير قابلة للتعميم على المجتمع, أو ملاحظة جزئيات ومحاولة تعميمها على أنها كليات مطلقة.
ومن هنا، فإن البحث في إمكان رفع سقف المطالب الإصلاحية الموجهة إلى المجتمع في سلوكه وعلاقاته واختياراته، ينبغي أن يسبقه بحث أكثر دقة في كيفية تشكل الوعي الاجتماعي، وآليات التأثير فيه، ووسائل قياس استجابته، ومدى انتشار الظواهر الاجتماعية واتساعها داخل البنية المجتمعية.
وتُمثّل الشعائر الدينية أحد أبرز مكونات الهوية الدينية للمجتمعات، بل تعد من أهم تجلياتها الخارجية، إذ لا تتحقق هوية دينية فاعلة من دون ممارسات شعائرية أو طقوسية تعبّر عنها, فضلا عن ضرورة التمييز بين الشعيرة والطقس من الناحية الاصطلاحية؛ فالشعيرة هي ما يستند إلى توجيه النص الشرعي، بحيث يشمله بدلالته أو عمومه، أما الطقس فقد يكون ممارسة اجتماعية تولدت من الشعيرة، أو أضافها المجتمع الديني عبر تراكماته التاريخية والثقافية، وهو ما يعبر عن قابلية المجتمعات لإنتاج أنماط تعبيرية متجددة حول الشعائر.
وهذه الإضافات ليست بالضرورة أمراً سلبياً، بل قد تكون ظاهرة طبيعية تفرضها طبيعة الاجتماع الديني، وإنما تكمن الإشكالية في كيفية التعامل معها، وآليات تقويمها، وسبل الارتقاء بمستوى الأداء الاجتماعي المرتبط بها.
لذا فإن من الضروري بحث العلاقة بين الفعل الشعائري أو الطقوسي من جهة, وبين حقيقة الدين والتدين من جهة أخرى، ومدى صحة قياس أو اختبار الحقيقة الدينية بالممارسة الاجتماعية بما تنطوي عليه من مؤثرات بشرية وثقافية ونفسية قد تكون منفصلة عن جوهر الدين ومقاصده.
وهذه القضية تمثل إحدى الإشكالات البارزة في الفضاء الرقمي المعاصر، إذ يتم النقد على الدين بسبب كثير من الممارسات البشرية، ويتم اختبار صدق الدين أو فاعليته بمستوى الأداء الطقوسي والاجتماعي، مع أن هذا الأداء يخضع لعوامل اجتماعية وإنسانية معقدة لا يمكن ردّها جميعاً إلى الدين نفسه.
وفي المقابل، ترتفع المطالبات الإصلاحية الموجهة إلى المجتمع، وكأن بإمكانه أن يُغيِّر ممارساته بصورة مباشرة بمجرد توجيه النقد إليها، في حين أن المجتمع يتحرك في الغالب وفق أنماط تلقائية وعفوية تشكلت عبر تراكم طويل من الأعراف والعادات والخبرات الاجتماعية، الأمر الذي يجعل إصلاحها أو إعادة توجيهها عمليةً تدريجية تتطلب بناء الوعي الديني والإنساني على مختلف المستويات، والاكتفاء بالنقد المباشر أو المطالبة الفورية بالتغيير لا يعد خيارا فاعلا ومنتجا.
ومن خلال البناء المتدرج للوعي الاجتماعي، يمكن أن يرتقي الأداء الشعائري والطقوسي بصورة طبيعية وغير مباشرة، ويغدو الإصلاح الاجتماعي نتيجة لتطور البنية الفكرية والثقافية للمجتمع، وليس استجابة آنية لضغوط الخطاب العقلاني النقدي.
تفترض العقلانية المجردة أن الإنسان كائن منطقي يتخلى عن ممارساته بمجرد اقتناعه بعدم معقوليتها أو عدم جدواها، لكن علم الاجتماع والأنثروبولوجيا يثبتان أن السلوك الاجتماعي لا يرتكز على الأفكار فقط، بل على شبكة معقدة من الرموز والعواطف والانتماءات والذاكرة المشتركة, بحيث من غير الممكن عقلنة جميع تصرفات المجتمع, وإنما الحد من الظواهر التي تحدث ضررا ماديا, أما مشكلات العقل والثقافة والتدين في السلوك الاجتماعي, فهي ما يتطلب بناء متراكما من الوعي عبر مسارات متعددة, منها التربية والتعليم والاعلام, والقرارات الساندة للتطوير المعرفي والمهني.
ولهذا فإن النقد المباشر للطقوس غالباً ما يوصف على أنه اعتداء على الهوية الاجتماعية، وليس إصلاحا للمارساته, فالمجتمع لا يميّز دائماً بين نقد الظاهرة ونقد الانتماء إليها, وما نشهده اليوم من جدل حول بعض مظاهر العزاء سواء عُدت من الشعائر أم من الطقوس, يأخذ طابعا جدليا عندما يُفهم على أنه جدل حول الانتماء, في حين هو جدل حول وسائل التعبير عن الانتماء..
والطقوس -من زاوية متفائلة على الاقل- قد لا تعد أفعال رمزية فقط، بل وسائل لإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي، لما تحققه من تواصل اجتماعي, وتنمية للفعل الجماعي المشترك, لذلك فإن المساس بها يثير مقاومة المجتمع لأنها –في لا وعي المجتمع- ترتبط ببقاء المجتمع نفسه, وهذه مما تجدر ملاحظته.
والتجارب التاريخية تثبت أن التغيير القسري أو الخطاب الاستعلائي لا يؤدي إلى تغيير المجتمع، لأن المجتمع يمتلك بنية عميقة للعادات والتصورات متجذرة في الوعي الجمعي, لذا
يمكن أن تتغير المجتمعات عندما تنشأ في داخلها قناعات جديدة تتراكم ببطء، فتتراجع بعض الممارسات الخاطئة بصورة طبيعية وتظهر بدائل أكثر انسجاماً مع المتغيرات الثقافية, وتنمو المجتمعات وتتطور بالتراكم والتدريج, وتترك العادات السيئة عندما تقتنع بوجدانها لا بعقلها, لأن الجمموع لا تفكر بالمنطق, بل بالمشاعر الموجهة بالسلوك الجمعي.
ومن جهة أخرى فإن السنن الاجتماعية تسبق الرغبات الفردية, لأن الأفكار لا تنجح بمجرد صحتها النظرية، بل تحتاج إلى (قابلية واستعداد اجتماعي) يستوعبها, فالفكرة الصحيحة التي تُطرح في غير وقتها قد تفشل، بينما الفكرة نفسها تنجح عندما تنضج شروطها الاجتماعية.
أن التغيير الحقيقي لا يتحقق عبر الفرض، بل عبر بناء هيمنة ثقافية من قبل النخبة، أي تكوين قناعات جديدة داخل المجتمع نفسه, بتأثير من النخبة, ولهذا فإن النخب التي تتحدث بلغة القطيعة مع المجتمع تفقد تأثيرها، بينما تنجح النخب التي تتحرك من داخل الثقافة الشعبية وتحترم حساسياتها, وفي واقعنا المعاصر نعاني من فجوة كبيرة بين المثقف والمجتمع, من جهتين, الأولى عدم وجود خطاب تواصلي بين المثقف النخبوي والمجتمع, والثاني, وهو الأخطر, ويتجلى بغياب المثقف أو تغييبه, وعدم حضوره في المشهد العام, وضعف تأثيره في المجال العام, وهو ما يمثل أحد أبرز موانع التغيير في واقع المجتمعات.
وخلاصة القول,
1- أننا نواجه أخطاء منهجية في إطلاق الأحكام على المجتمع, بسبب غياب المنهجية العلمية في قياس الظاهرة الاجتماعية.
2- يتم تعميم كثير من الجزئيات التي تعبر عن أفعال فئة قليلة من المجتمع, تظهر بسبب تركيز إعلامي مقصود أو غير مقصود.
3- كل نقد لأي ظاهرة في المجتمع يستدعي أدوات قياس منهجية علمية.
4- لا يمكن التعويل على نقد الظاهرة الاجتماعية فقط, وإنما تبرز الحاجة إلى البحث عن سبل التأثير والفاعلية في المجتمع من أجل التغيير والإصلاح.
5- لا يمكن قياس الدين على اتدين, وقياس الشعائر الدينية على الممارسات, ومن غير المنطقي تقييم القضية والمبدأ على أساس الممارسة الطقسية لدى فئة اجتماعية محددة فقط.
6- تنمو المجتمعات وتتطور بالتراكم والتدريج, وتترك العادات السيئة عندما تقتنع بوجدانها لا بعقلها, لأن الجمموع لا تفكر بالمنطق, بل بالمشاعر الموجهة بالسلوك الجمعي.







د. أسعد عبد الرزاق الأسدي
منذ 59 دقيقة
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
شخصية تسير مع الزمن !
أدباء المنصة
EN