بسم الله الرحمن الرحيم
قال عليه السلام :(وحق أبيك أن تعلم أنه أصلك، وأنه لولاه لم تكن فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، فأحمد الله واشكره على قدر ذلك. ولا قوة إلا بالله).
من الخير الشامل للجميع أن نصدر هذا الشرح الموجز بالآية الشريفة:
" واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين "(النساء ٣٥)
نرى الإمام (سلام الله عليه) - بهذا التنويع في العرض والتجديد في الأسلوب، وبهذا التعبير المبدع - يعالج العلاقة بين الوالد والولد.
ويصور هذه العلاقة صورة روحية، فيها انعطاف ورقة. فما يريد للولد إلا الخير، ولا يرى له إلا النصح، النصح الذي مبرأ من كل شبهة، بعيد من كل ظنة؟
إلا أنه الحقيقة القديمة التي تجري على لسان كل من آتاه الله الحكمة من الناس.
يريد به الخير المحض ولا يريد به سواه. وهذا هو المؤثر النفسي المقصود فهو (عليه السلام) يوجه دروسه ووصاياه إلى الأولاد دون الوالدين على ضوء القرآن الكريم، إذ لم ترد توصية الوالدين بالولد إلا قليلا. ومعظمها في حالة الوأد - وهي حالة خاصة في ظروف خاصة - ذلك أن الفطرة تتكفل وحدها برعاية الوليد من والديه.
فالفطرة مدفوعة إلى رعاية الجيل الناشئ لضمان امتداد الحياة كما يريدها الله.
وإن الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما وأعصابهما وأعمارهما ومن كل ما يملكان من عزيز وغال، في غير تأفف ولا شكوى، بل في غير انتباه ولا شعور بما يبذلان، بل في نشاط وفرح وسرور كأنهما اللذان يأخذان!
فالفطرة وحدها كفيلة بتوصية الوالدين دون وصاة! فأما الوليد فهو في حاجة إلى الوصية المكررة ليلتفت إلى الجيل الذاهب في إدبار الحياة، بعد ما سكب عصارة عمره وروحه وأعصابه للجيل المتجه إلى مستقبل الحياة! وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوض الوالدين بعض ما بذلاه، ولو وقف عمره عليهما.
وهذا الانعطاف الهائل، وهذه الكرامة والمعاملة الندية تأتي في طريقها شدة وضعفا، فالأم بطبيعة الحال (كما ذكرنا) تحتمل النصيب الأوفر، ولها القدح المعلى من البر والرعاية والانعطاف. قال رسول الله (صلى الله عليه واله): " بر الوالدة على الوالد ضعفان ".
ويفوقها الوالد بما يحدث للولد بعد هذا من شعور الإعجاب بالعظمة والكمال والقدرة وهو من الغرائز.
والولد يشعر بأن أباه أعظم الناس وأحقهم بالإجلال والتعظيم. وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم، وفي معاهد الحج، حتى قال الله تعالى:
فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ".
يتلو ذلك شعور عزة الحماية والصيانة له من والده والذود عنه والانتقام له إذا ضيم وفوق هذا شعور الشرف فهو يشرف بشرفه ويحقر بضعته وخسته.
فإن أهين بقول أو فعل ترجف أعصابه ويتبيغ دمه (هياج الدم: غليانه وتوقده حتى يظهر في العروق ويغلب صاحبه.)، ولا تكاد تهدأ ثائرته إلا بالانتقام له.
فهذه مجامع نوازع حب الولد الوالد أكثر من حبه لأمه، واتجاهه بالعناية نحو أبيه أكثر مما يتجه بالعناية نحو أمه.
مضافا إلى ذلك شعوره بأنه بضعة من أبيه، يرث بعض صفاته وطباعه وشمائله من جسدية ونفسية وعقلية، بيد أن حب الوالد للولد أحر وأقوى وأنمى وأبقى من عكسه، وهو أشد شعورا بمعنى كون ولده بضعة منه، وكون وجوده مستمدا من وجوده، ويشعر ما لا يشعر من معنى كونه نسخة ثانية منه يرجى لها من البقاء ما لا يرجى للنسخة الأولى، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه أو أشد، ويحرم نفسه من كثير من الطيبات إيثارا له بها في حاضر أمره ومستقبله، ويكابد الأهوال ويركب الصعاب في سبيل السعي والادخار له. فهو مجهد متعب طوال حياته، في تغذيته وإنعاشه وتربيته. من أجل ذلك جعل الله طاعته واجبة، وطلب رضاه حتم. وجعل طاعته منوطة بطاعته، ورضاه وسخطه منوطان برضاه وسخطه.
والأحاديث في ذلك متوفرة: قال رسول الله (صلى الله عليه واله): " رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد ". وقال (صلى الله عليه واله): " إن الوالد باب من أبواب الجنة فاحفظ ذلك الباب ". وقال (صلى الله عليه واله): " من حج عن والده بعد وفاته كتب الله لوالده حجة وكتب له براءة من النار ".
تم الاقتباس من شرح رسالة الحقوق الشهيد السعيد الفاضل حسن القبانجي النجفي (ره).







د.فاضل حسن شريف
منذ ساعتين
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN