تناول الباحث الدكتور فاضل حسن شريف الإشارات والمفاهيم القرآنية المتعلقة بالهندسة والبناء عبر سلسلة أبحاثه ومقالاته التفسيرية والهندسية، حيث سلط الضوء على المفردات والآيات التي تشير إلى شبكات الطرق وتخطيط المسارات والملاحة الجغرافية: تخطيط وتنسيق المسارات القرآنيةاستعرض د. فاضل المفردات اللغوية في القرآن الكريم التي تصف شبكات وسلوك الطرق، ومنها: الفِجاج والسُّبُل: وقف عند قوله تعالى: "لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا" (نوح 20)، موضحاً أن "الفَجّ" هو الطريق الواسع الممتد بين جبلين، وهو ما يطابق مفهوم اختيار المسارات الطبيعية (Road Alignment) الميسرة لتنقل البشر والتجارة وتجنب العوائق الجغرافية الصعبة. الصراط والسبيل: أشار إلى البُعد الهيكلي والشكلي للمسارات، فالصراط في اللغة والقرآن يدل على الطريق الواضح والواسط والمستقيم، وهو ما يمثل في هندسة الطرق الحديثة المسار المباشر أقصر الطرق (Shortest/Direct Route) للوصول للهدف. تجهيز وتهيئة البنية التحتية للطرقربط الباحث الآيات القرآنية بتهيئة التربة وتسهيل المرور: التذليل والتعبيد: في قوله تعالى: "فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا" (النحل 69)، أوضح أن الذلول تعني المنقادة والمفسوحة؛ وهو ما يُسقط هندسياً على أعمال التمهيد والتسوية وتعبيد المسارات لتكون آمنة وسهلة الحركة للناقلات والمارة. الجغرافية وتجاوز التضاريس: بيّن أن التعبير القرآني عن شق الطرق بين الجبال والوديان يشير إلى مرونة الهندسة الجغرافية التي تسخر معالم الأرض لإقامة الشبكات. العلاقة بين الهندسة الإنشائية والمكانيةفي إطار قراءته الهندسية الشاملة لآيات القرآن الكريم: بيّن كيف يتكامل تخطيط الطرق مع هندسة المدن والأبنية (العمران)، حيث لا ينفصل تحديد الطرق عن أسلوب البناء وميكانيكا التربة واستقرار المنحدرات (Slope Stability) التي تجاور مسارات السفر.
تزخر الآيات القرآنية بالعديد من المفردات والتأملات التي تناولت الطرق والمسارات، سواء بمعناها المادي الجغرافي (كالسبل والفجاج والطرائق) أو بمعناها المعنوي والإيماني (كالصراط المستقيم والتنقل والاهتداء). السبل والفِجاج (شبكات الطرق وتضاريس الأرض) المسارات الطبيعية: أشارت آيات عدة إلى شق الطرق بين الجبال والتضاريس لتسهيل حركة الإنسان وتجارته: "وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ" (الأنبياء 31) "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا" (نوح 19-20) (الفجّ: الطريق الواسع بين جبلين). الصراط والسبيل (المسار المستقيم والتوجيه) الهداية والاستقامة. تُبرز الآيات مفهوم الطريق الواضح والمباشر للوصول إلى الهدف: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" (الفاتحة 6) "وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ" (الأنعام 153). الطرائق والمعارج (طرق السماوات والطبقات) الأبعاد والآفاق: تجاوز اللفظ القرآني الطرق الأرضية ليشمل مسارات الأفلاك والطبقات: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ" (المؤمنون: 17) "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ" (الذاريات 7) (الحُبك: الطرق والمسارات المنتظمة في السماء). مفاهيم قرآنية مرتبطة بالمرور والتنقل: تيسير الطريق (التعبيد والتذليل): "فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا" (النحل 69)، وفيها إشارة إلى الطرق الميسرة المسهلة للسلوك. العلامات والملاحة الجغرافية: "وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ" (النحل 16)، لتحديد الاتجاهات على الطرق برياً وبحرياً. الطريق اليابس في البحر: "فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ" (طه 77).
حَفِلَت السُّنَّة النَّبَوِيّة المطهّرة وخطب وأقوال الإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة بالإشارات إلى الطرق والمسارات، سواء بالتأكيد على آداب المرور والحقوق العامة للتنقل، أو بتوظيف مفهوم "الطريق" كرمز للاستقامة والوضوح والمنهج. حقوق الطريق والآداب العامة للمرور: السُّنَّة النَّبَوِيّة: ركزت الأحاديث النبوية على تحويل الطريق إلى مساحة آمنة ومجتمعية تخضع لقواعد وإرشادات صارمة: إعطاء الطريق حقه: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ... فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) إزالة العوائق والمخاطر (إماطة الأذى): (إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)، وفي حديث آخر: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ). تيسير سلوك المسارات: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) توسيع الطرق العامة: قضى النبي صلى الله عليه وسلم في اختلاف الجيران في الطريق العام: (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ ذِرَاعٍ) ، وهو تشريع لبناء وتحديد مساحات الشوارع النافذة. منهجية المسار، الاستقامة، ووضوح المعالم. نهج البلاغة: وردت كلمة "الطريق" و"المحجة" و"الصراط" في نهج البلاغة في مواضع متعددة للتأكيد على المنهج الواضح وتجنب الانحراف: وضوح المحجة والطريق: قال الإمام علي عليه السلام: (وَقَدْ فُتِحَتِ الطَّرِيقُ لِمَنْ نَظَرَ، وَاهْتَدَى النَّجْمُ لِمَنْ بَصُرَ، وَأُسْفِرَتِ الْأَعْلَامُ لِمَنْ قَصَدَ) الاستقامة وعدم الوحشة من قلة السالكين: (أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ). المسار المستقيم واليمين والشمال: (الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ، عَلَيْهَا يَبْقَى الْكِتَابُ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ) تجنب الشبهات والمسارات المشبوهة: (مَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ مَوَاقِفَ التُّهَمَةِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ سَاءَ بِهِ الظَّنَّ).
تتضمن قصص الأنبياء في القرآن الكريم مشاهد بارزة تمثل تطبيقات عملية ومفاهيم جوهرية لشَق الطرق، الملاحة الجغرافية، والتعامل مع التضاريس الطبيعية: موسى عليه السلام وشَق الطريق البحري (عبور التضاريس المائية) تُمثل حادثة انشلاق البحر نموذجاً لإيجاد مسار آمن في بيئة غير صالحة للمرور: التخطيط والتوجيه: "فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ" (الشعراء 63). تهيئة أرضية المسار: "فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ" (طه 77). أُمِر موسى بتأمين طريق "يبس" (صلب وجاف) لضمان ثبات الحركة ومنع تغرّز الأقدام والحيوانات أثناء العبور العاجل. ذو القرنين وتحديد المسارات الجغرافية والسدود: استخدم ذو القرنين مسارات ممتدة بين أطراف الأرض للوصول إلى المناطق التضاريسية الصعبة: تتبع الأسباب والمسارات: "فَأَتْبَعَ سَبَبًا" (الكهف 85)، أي أخذ بالوسائل والمسارات الموصلة لأهدافه. الربط بين المضايق (الجبال): "حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّينِ" (الكهف 93)؛ حيث استغل التشكيل الطبيعي للجبال لبناء سد ورصف حاجز هندسي يُغلق المسار والممر على المفسدين. نوح عليه السلام وبناء وسائل الملاحة والمسارات المائية: الملاحة والاهتداء: مع غرق الطرق الأرضية بالطوفان، أعدّ نوح السفينة وفق قياسات وهندسة محددة: "وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا" (هود: 37) لتسلك مسارات مائية وسط أمواج كالجبال. إبراهيم عليه السلام وتحديد القواعد والمسارات التجارية: شق طريق الحج والتجارة: أسس إبراهيم عليه السلام مركزاً ومحطة رئيسية في وادٍ غير ذي زرع، وأذن في الناس بالحج لربط الجزيرة العربية بشبكة طرق ومسارات تجارية وإيمانية تقصد الكعبة من كل فج عميق: "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج 27). سليمان عليه السلام وتمهيد المسارات السريعة تسخير الرياح للتنقل السريع: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ" (سبأ 12)؛ إشارة إلى اختصار المسافات والزمن في المسارات الطويلة. رصف الأرضيات والممرات: "قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مَُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ" (النمل 44)؛ إشارة إلى تقنيات تمهيد الأرضيات بالزجاج لتبدو كالماء.
النبي إبراهيم عليه السلام: تخطيط المحاور الدولية وشبكات الفِجاج: ساهم إبراهيم عليه السلام في وضع نواة لأهم شبكة طرق وتجمع بشري في شبه الجزيرة العربية: ربط الطرق بالمعالم (Nodal Points): أسس البيت الحرام في وادٍ غير ذي زرع ليكون عقدة مواصلات ومقصداً عالمياً. الفِجاج العميقة: "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج 27)؛ والإشارة إلى "الفِجاج" تؤكد استخدام الممرات الطبيعية بين الجبال كمسارات رئيسية للتنقل الدولي والتجاري. سيدنا سليمان عليه السلام: رصف الساحات وتسهيل الحركة السريعة تجلت تقنيات المساحة والرصف في عهده من خلال إدارة المواد والبنية التحتية: تمهيد ورصف الصروح: "قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مَُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ" (النمل 44)، وهو تطبيق لتقنيات تسوية السطح ورصف الأرضيات بمواد صلبة وشفافة، تمنع التعثر وتسهل المشي. إدارة مسافات التنقل: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ" (سبأ 12)، وهي إشارة إلى اختصار الزمان والمسافات في المسارات الطويلة.
تناول الدكتور فاضل حسن شريف موضوع حركة المرور وتخفيف الاختناقات المرورية من زاويتين متكاملتين (ميدانية واقعية وتأصيلية قرأنية/هندسية): 1. الشأن الميداني والبنية التحتية (واقع العراق وبغداد) توثق مقالات ودراسات د. فاضل حسن شريف الجهود والمشاريع الحكومية لمعالجة الأزمات المرورية: فك الخناقات المرورية: سلط الضوء على مشاريع إنشاء المجسّرات (الأنفاق والجسور) والأنفاق الجديدة في بغداد والمحافظات (مثل مشاريع الجسور في جانبي الكرخ والرصافة)، والدور الحيوي لهذه الشبكات في تقليل الازدحام. السلامة المرورية والحوادث: ناقش إحصائيات حوادث السير، مؤكداً على أهمية تطبيق المعايير الهندسية المهنية في تصميم وصيانة الطرق لضمان سلامة المواطنين والحد من الحوادث. التوسع العمراني وتطوير الشبكات: ركز على ضرورة تحديث الطرق الدائرية والرئيسية لستوعب الزيادة المستمرة في أعداد المركبات. 2. الرؤية الهندسية والتخطيطية في القراءة القرآنية: ربط د. فاضل مفهوم "حركة المرور" وانسيابيتها بالإشارات القرأنية: انسيابية الحركة (التذليل والتيسير): يرى أن قوله تعالى "فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا" (النحل 69) يشير إلى أهمية جعل الطرق ممهدة وميسرة لتسهيل الحركة دون معوقات أو اختناقات. تخفيف الاكتظاظ وتوزيع المسارات: أشار إلى قوله تعالى "لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا" (نوح 20)، موضحاً أن تعدد الفجاج والسبل (الشبكات متعددة المسارات) يمنع التكدس المروري ويوزع حركة التنقل برياً. تنظيم الحركة والتحكم بالمنافذ: استشهد بتجربة ذي القرنين في التحكم بالمضايق والمنافذ، مؤكداً على مفهوم إدارة الاختناقات والمرور عند المحاور الحرجة (Bottlenecks).







وائل الوائلي
منذ 1 ساعة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN