كانت السلطات البريطانية تسعى جاهدةً لترسيخ وجودها في العراق من خلال نشر الدعاية التي تبرر احتلالها، وتقلّل من شأن الحركة الوطنية. في هذا السياق، أدّت جريدة الاستقلال دورًا مهما في:
أولا: تفنيد الادعاءات الاستعمارية: عملت على الردّ على المزاعم والأكاذيب التي كانت تنشرها الدوائر البريطانية ووسائل الإعلام الموالية لها. وقامت بكشف أهداف ومخططات الاحتلال البريطاني، وتوضيح الآثار السلبية لوجوده على مختلف جوانب الحياة في العراق.
ثانيا: تقديم رواية وطنيّة بديلة: قدمت سرديّةً تاريخية ووطنية مضادة للرواية الاستعمارية، تؤكّد على حق العراقيين في الاستقلال ورفضهم للاحتلال. ثالثًا: كشف أساليب الاستعمار: سلّطت الضوء على الأساليب التي كان يتبعها البريطانيون لتقويض الوحدة الوطنية واستغلال موارد البلاد. رابعا: منبر للمعارضة الوطنية: لم تكن مجرد صحيفة، بل كانت أشبه بمنظمة سياسية يلتقي فيها الوطنيون ويساهمون في كتاباتها.
خامسًا: نشر الوعي الوطني: عملت على نشر مبادئ وأفكار ثورة العشرين، وتأجيج الحس الوطني لدى العراقيين، والدعوة إلى الوحدة والتكاتف لمقاومة
الاحتلال.
سادسًا: فضح ممارسات الاحتلال سعت الجريدة إلى فضح أضاليل المحتلين وتهمهم، ونشر مظالمهم البربرية، وكشف حقيقتهم أمام الرأي العام المحلي والعالمي. من ذلك أنها ذكرت في عددها الثاني هذه الفضائح تحت عنوان (فضائح المحتلين)، وتعرّضت فيه الى عدة نقاط كان أولها: القتل والنهب في قرية الحمزة، وثانيها: هتك حرمة الحرم وحرق نسخ القرآن الكريم، وثالثها: القتل والنهب في قرى الحلة (1). وفي العدد الرابع ذكرت مثل ذلك تحت عنوان (فضيعة إنكليزية)، وفي عنوان آخر (ردّ تهمة الإنكليز) (2)، وفي العدد الخامس، تحت عنوان (قتل الجرحى بالسلاح الأبيض)، و(رمي الأسرى بالرصاص).
سابعا: الحفاظ على اللغة العربية: في ظلّ محاولات فرض اللغة الإنجليزية، دافعت الصحف عن اللغة العربية بوصفها لغةً وطنية للهوية والثقافة.
ثامنا: توضيح المطالب الوطنيّة: عملت على توضيح مطالب الأمة العراقية المشروعة في الاستقلال التام وتقرير المصير.
تاسعا: نقل أخبار المقاومة قامت بنشر أنباء المعارك والحوادث المحلية المتعلقة بمقاومة الاحتلال البريطاني، وقامت أيضًا بتغطية أخبار الانتفاضات الشعبية والمظاهرات والأنشطة المناهضة للاحتلال، مما عزز من الروح المعنوية للمقاومين .حيث ذكرت في عددها الأول أخبار القتال تحت عنوان (أنباء القتال)، وجاء فيه أنباء القتال في جبهة الحلة في 9 محرم 39: «خرجت فصيلة من الإنكليز لاحتلال قلعة عمران آل زنبور الواقعة على مقربة من الخط الحديدي في مقاطعة المحاويل، فقابلهم المجاهدون بقيادة هزّاع، وارجعوهم إلى مواقعهم في بابل، تاركين كثيرًا من الخرطوش وخسر المجاهدون أربعة من الخيل، واستشهد مجاهد، وجرح أربعة(3)». وأنباء القتال في جبهة الناصرية 14 محرم 39: «خرج من الناصرية عدد من العدو يقدر ب 1500 راجل وفارس لإصلاح الخط الحديدي بين الناصرية والسماوة، ولما وصل البطحة أحاطت به جيوش العرب وهي آل غزّي والبدور وآل محسن، فقطعت خط رجعته ففرّ الفرسان، وبقت المشاة في حصار شديد، وقد وقعت بين الطرفين معركة استمرت 24 ساعة، كانت غنائم
العرب فيها كثيرة والحصار لا يزال يشتدّ على العدو بتكاثر المجاهدين (4)». عاشرا: التأثير الفكري والسياسي طرحت أفكارًا سياسيةً تهدف إلى مقارعة الانتداب البريطاني، وكانت ترى أنّ الأولوية المطلقة استقلال العراق.
تأثيرها على النخب المثقفة والسياسية:
لم يقتصر تأثير جريدة الاستقلال على عامة الشعب، بل امتد ليشمل النخب المثقفة والسياسية التي كانت تتشكل في تلك الفترة؛ إذ كانت الجريدة: ملتقى للأفكار الوطنيّة جذبت إليها أقلام أبرز المثقفين والوطنيين الذين أسهموا بمقالاتهم وآرائهم، مما جعلها منبرًا لتبادل الأفكار وتطوير الرؤى الوطنيّة، وعملت الصحف الوطنيّة على تنمية الشعور الوطني لدى العراقيين، والتذكير بتاريخهم وحضارتهم، والتأكيد على هويتهم العربية والإسلامية في مواجهة محاولات طمسها من قبل المستعمر. وقامت بتغطية أنشطة الحركات والجمعيات الوطنيّة التي نادت بالتحرّر، ونشر بياناتها ومواقفها.
- مؤثرةً في تشكيل الرأي العام للنخب شاركت في صياغة وتوجيه الرأي العام بين المثقفين والسياسيين حول قضايا الاستقلال والمقاومة، وكانت مرجعًا مها لهم في فهم الأحداث وتحليلها.
- محفزًا للعمل السياسي ألهمت الكثير من الشباب والمثقفين للانخراط في العمل الوطني وتشكيل الجمعيات والأحزاب التي نادت بالاستقلال. على الرغم من التحديات الكبيرة، استمرت جريدة الاستقلال في أداء دورها الوطني في التعبير عن، تطلعات الشعب العراقي نحو الاستقلال ومقاومة النفوذ الأجنبي.
.....................................................
1. انظر: الكاظمي، محمد عبد الحسين، جريدة الاستقلال، العدد 2، ص 84.
2. المصدر نفسه، العدد 3 ص 86
3. المصدر نفسه، العدد 1، ص 82
4. المصدر نفسه، العدد 1، ص 82