آل الشبيبي
في بيت فقير ومتواضع كأي بيت من بيوت النجف آنذاك، وفي حي البراق كان يسكن الشيخ محمد جواد الشبيبي، حيث يعود نسبه إلى فخذ (المواجد) من قبيلة بني أسد تلك القبيلة المعروفة التي تسكن العراق في الجبايش والبطايح وسوق الشيوخ، وما جاورها إلى القرنة ويعود لقب (الشبيبي) إلى شبيب جد الشيخ محمد جواد، حيث سلسلة النسب تصل إلى محمد بن إبراهيم بن مصر الجزائري. نشأ محمد جواد والد شاعرنا في كنف جده لأمه الذي علمه القرآن والكتابة ومبادئ الأدب وتذوق الشعر، وبقي يُرعى في كنف جده حتى وفاته، وبعد ذلك انتهى به المقرّ في النجف الأشرف ليدرس الفقه والأصول على يد جماعة من علماء عصره، وكان يستعين على قضاء حوائجه بما يعطيه خاله من عائد بعض أراضيه الزراعية، وقد مضى الشيخ محمد جواد في طلب العلم وقرض الشعر؛ فذاع صيته وعرف اسمه حتى صار من الشهرة بنحو لا يذكر اسم الأدب آنذاك بجميع فنونه إلا وكانت له من المناسبة ما تجعل الاتصال وثيقا باسم الشبيبي الكبير.
وكان له مجلس وهو ندوة جامعة يلتقي فيها أدباء النجف ورجاله، ويعد من أشهر المجالس الأدبية التي كانت تحفل بها النجف وبعض المدن العراقية، حيث يتم فيها التداول في مختلف الشؤون الاجتماعية والسياسية والأدبية والعلمية، فتعقد المناظرات، وتلقى القصائد، وترتفع المسابقات الشعرية والارتجال في بعض المواقف المهمة، ومتابعة ما يحدث من تطورات على الساحة الوطنية والعربية، وتأثير القوى العالمية آنذاك على التلاحم الوطني والقومي، وتحقيق الوحدة (1).
من تلك الشجرة الطيبة الأسرة الجليلة نبع شاعرنا محمد باقر الشبيبي، ولد سنة 1890 م، في النجف الأشرف، وتخرّج في جامعتها، فدرس الفقه والأدب، ومالت نفسه إلى الشعر، وهو يعيش في هذه البيئة النجفية التي تعمق في أجوائها المطارحات الشعرية، والمراسلات الأدبية، والارتجال في المناسبات الوطنية والدينية، ويمكننا القول إنّ السبب وراء عبقرية الشعر، وازدياد الشعراء في النجف الأشرف كان البيئة الدينية الملتزمة، إذ كان الشعر هو المنفذ الذي تطلّ منه النجف على العالم، والذي أصبح لازمةً في كل حدث أو تاريخ أو مناسبة. قد تذوق شاعرنا الشعر فقرضه وأبدع، فأصبح من رجال النهضة الأدبية في قصائده السياسية والاجتماعية، وبالرغم من أنّ شاعرنا كان قليل النظم، ولا يقول الشعر إلا في المناسبات الخاصة فإنّه كان يحمل في ضلوعه نيرانًا متقدةً لثورة كبرى ضدّ الاستعمار والجهل والعبودية (2).
لقد كان الطريق الذي يجب أن يسير عليه غير معبد والزمن الصعب الذي عاشه يريد منه عملا وليس كلاما فقط فالنظريات والخطب والاقاويل إذا لم تشفع بالتطبيق لا فائدة لها ولا قيمة وعجلة الزمن تدور والناس نيام، فكان يستغل ارتياده للمجالس الثقافية والأدبية في طرح أفكاره وآرائه الجديدة، فكان يلاقي تجاوبا مع صفوة من زملاءه الذين تعاهدوا على رفع راية الحق عاليًا وأن يؤمنوا بالعدل وإن الطريق الوحيد لتحقيق ذلك من خلال التحدي والمجابهة والثورة.
في بداية المسيرة ناضل ضد الأتراك بكل ما يملك من حماس ووطنية، وحاول جاهدا تشويه سمعتهم بقدر ما أوتي من قوة ونباهة، وما أنْ قُضي عليهم تأهّب مع المجموع الثائرة من الشباب مواجهة المحتل الجديد الذي هو أسوأ بكثير من سابقه. لقد كان يشعر حقًّا بحق هذا الوطن المقدس في أن يعيش حرا مستقلا، وكان يحسّ بجرح الوطن الذي توالت عليه المصائب من احتلال إلى احتلال (3).
وبدأت عملية الكفاح المسلّح الجريئة ضدّ المحتلين، فقام بحمل الرسائل وصور العرائض إلى كربلاء مع السيد جمال الدين وسعد صالح لتوقيعها من قبل الزعماء والأهلين، ولقد ضُمّنت طلب استقلال البلاد، وطرد الإنكليز المحتلين، وفي الدورة الأولى للمجلس التشريعي العراقي أنتخب نائبا عن لواء المنتفك (محافظة ذي قار، فكان صوته يدوي في أروقته، وكان يعلو صدى مناقشاته الجادة والمبنية على أس وتحليل علميّ رصين بحيث يُقدّم الحجّة تلو الحجة على إثبات زيف ادعاء المتخاذلين والعملاء، حيث كان ينشر مقالاته تلك في الصحف البغدادية، وبعد أن شعر الوطنيون في بغداد بظروف تأليف جمعية سياسية سرية تأخذ على عاتقها انقاذ البلاد من الاحتلال البريطاني البغيض وأن تعيد الكرامة والنخوة العراقية، وأن تأخذ دورها في الوطن العربي الكبير لكي يأخذ دوره الجهادي في مرحلة النضال في النجف وكل أنحاء العراق، والوطن العربي، وعليه تم تأسيس الجمعية، وسُمّيت بـ حرس الاستقلال)، وذلك في أواخر جمادي الثانية 1337 هـ و نهاية شباط سنة 1919م . وكان أبرز أعضائها: جمال بابان، وشاكر محمود المرافق، ومحمود رامز، عارف حكمة، وحسين شلال، وسعيد حقي، وعبد المجيد يوسف، وعبد اللطيف حميد، والحاج محي الدين السهروردي وعلي البازركان، والسيد محمد الصدر، والسيد يوسف السويدي، والسيد ناجي شوكت، والوجيه محمد جعفر أبو التمن، والسيد مكي الأورفلي، والسيد بهجت زينل، والشيخ محمد باقر الشبيبي والدكتور سامي شوكت، والحاج رمزي بك الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للداخلية، وعبد الغفور البدري، وعبد المجيد كنه، وشاكر قنبر علي، والسيد هادي زوين وغيرهم (4). وتعقد الجمعية جلساتها برئاسة السيد محمد الصدر الذي يمدهم بأرائه وتوجيهاته الثمينة، وكانت تعقد في مدرسة الفيض تارةً، وفي المدرسة الجعفرية تارةً أخرى. ثم توسع نشاط الجمعية فأنشأت فروعًا في كلّ من الكاظمية والنجف والحلة والشامية وبعقوبة، وكان الشيخ محمد باقر الشبيبي العضو البارز في الجمعية وهمزة الوصل بين مقر الجمعية في بغداد وفروعها في الفرات الأوسط، وكان يحمل الرسائل وصور العرائض إلى كربلاء، ومعه السيد جمال الدين وسعد صالح لتوقيعها من قبل الزعماء والأهالي، وقد كانت تتضمن طلب الاستقلال وطرد المحتلين الإنكليز.
وعمل من خلال رحلاته المتعدّدة ونشاطه المتميز على إيقاد جذوة نار الوطنية وتهيئة الرأي العام لمواجهة الاحتلال بالتضحية، ونيل الاستقلال التام. وبقيت هذه الجمعية تمارس أعمالها حتى ألقت السلطة القبض على بعض أعضائها، وتم نفيهم خارج الوطن؛ وبذلك توقف نشاطها في العشرة الأخيرة من آب 1920. لقد حمل الشبيبي شعار الوحدة، وحدة الوطن من الشمال إلى الجنوب، والتصدي لمحاولات العدو في إثارة الفرقة والطائفية، لكن التعاون بين الطائفتين الشيعة والسنة امتد نشاطه إلى المناطق الشيعية في الفرات الأوسط الأمر الذي ألحق الضرر بالمحتلين (5).
كما اشترك في تأسيس حزب الإخاء الوطني الذي وقف معارضًا لسياسة الحكومة، وصار يملأ صحيفة الحزب بمقالاته الحماسية التي تندد بالخونة والمتخاذلين أذناب المستعمرين (6). ولم يعد أحد يسمع باسم آل الشبيبي في ميدان الثورة غير اسم الشيخ باقر الشبيبي الذي بدأ يدوي في الآذان، وهو يصدر جريدة الفرات لسان حال الثورة العراقية، ويلج مؤتمرات الثوار واجتماعاتهم كركن من أركان الثورة، ثم يطوف بميادين المعركة بكل جرأة وشجاعة (7).
والشيخ محمد باقر الشبيبي، كان أديبا لامعًا وكاتبا جريئًا، وقد برز في شعره ونثره الجانب السياسي والوطني، وكان لهما الأثر العجائبي والحركة المحسوسة له في القضية العراقية، وقد وصف بالجرأة والإقدام في كتاباته التي سطرها على صفحات جريدة الفرات لسان حال ثورة العشرين)، وكان قد تابع الأحداث منذ أواخر العهد العثماني، وسنوات الاحتلال البريطاني للعراق، وما بعدها، وقد أراد من جريدة (الفرات) أن تكون لسان حال ثورة العشرين الناطق، وكانت المنشورات اليومية المتضمنة أخبار الثورة يدونها في الجريدة، وقد حمل الشيخ محمد باقر الشبيبي بيده الرسائل والعرائض إلى مدينة كربلاء لتوقيعها من قبل الزعماء والأهالي من أجل استقلال العراق، وكان معه السيد حسين كمال الدين، والسيد سعد صالح جريو، واتصل بالزعيم الوطني الحاج جعفر أبو التمن في بغداد، ونظم العرائض إلى مؤتمر السلام في باريس، وكانت توضّح في طياتها قضية الاستفتاء، ويقول الشيخ جعفر محبوبة : كانت في مدينة النجف الأشرف تخاط الأعلام العربية، ومنها تنتشر في جميع أنحاء العراق، وبها كانت تطبع المنشورات اليومية الحاوية لأخبار المناطق، والمقالات الشديدة اللهجة، والنصائح القيمة، وكان يتولّى إصدارها الشيخ محمد باقر الشبيبي، ويقول الأستاذ خالد الدرة: إنّ الشيخ الشبيبي في نظري صورة مصغرة من جمال الدين الأفغاني، فقد كانت رسالته الوطنية والأدبية المتواضعة أنْ ينطلق من منبته في النجف الأشرف إلى عاصمة العراق بغداد، ويلاحظ في شعر الشيخ محمد باقر الشبيبي الروح الثورية الوثابة، والوطنية الصادقة(8).
أصدر الشيخ باقر جريدة (الفرات) أيام اندلاع ثورة العراق سنة 1920م، وقد زخرت بمقالاته السياسية الملتهبة التي أسهمت بتشكيل الوعي السياسي لدى طبقات المجتمع ومطالبته باستقلال البلاد عن النفوذ الأجنبي، وصدرت المجلة خمسة أعداد فقط، ولم تنته مهمته عند هذا الحد بل انتخب بعد تشكيل الدولة العراقية نائبًا عن لواء المنتفك، وجدد انتخابه عدة مرات، كما مارس الوظيفة الإدارية مفتشًا في وزارة المعارف سنة 1933م، لمدة تقارب العام الواحد، واشترك بتأسيس حزب الإخاء (الوطني) مع مجموعة من العراقيين. وفاته: عانى باقر الشبيبي من أمراض وعلل أقعدته عن العمل، وأسلمته إلى ما يشبه العزلة حتى وفاته في 7 حزيران 1960م (9).
.......................................................
1. الشبيبي شاعرًا، قصي سالم علوان منشورات وزارة الإعلام، دار الحرية للطباعة، 1975م.
2. المصدر نفسه، ص 36-34.
3. الكفائي، كاظم، عصور الأدب العربي، ص 169.
4. الدراجي، محمد عباس صحافة النجف، ص 127 - 126.
5. الحسني، عبد الرزاق الثورة العراقية الكبرى، ص98.
6. المصدر نفسه، ص 100.
7. الخليلي، جعفر، هكذا عرفتهم، ج 2، ص 145.
8. الحكيم، حسن، المفصل في تاريخ النجف الأشرف، ج 3، ص118 - 119.
9. القزويني، جودت، تاريخ القزويني، 119 - 118.