دراسة الصحافة النجفية تندرج في إطار البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها النجف كحاضرة علمية ودينية، مثلت امتدادًا لمدرسة الكوفة التي تعد بمنزلة التأسيس العملي لمدرسة بغداد كإطار ثقافي خرج مما هو محلّي ليكون عالميا في تاريخ الثقافة الإنسانية. وإن كان انتقال الشيخ الطوسي إليها عام (448هـ) نقطة البدء في إنشاء أهمّ حاضرة علمية وفقهية في التاريخ العربي الإسلامي، فإنّ هذا البدء ما كان له أن يكون دون بيئة خصبة مهدت، له واحتضنته كامتداد لمدرسة الكوفة، وتواصلًا مع مدرسة بغداد، لتكون النجف الأشرف مَعْلَما فكريا وحضاريا استطاع الحفاظ على التراث الفكري والديني الإسلامي؛ إذ لم تمنعه الخصوصية المذهبية، أن يكون عاما وشاملاً، ومحفزًا ومؤسسًا للنهضة الفكرية الحديثة فيما بعد.
وكانت الصحافة النجفية في ولادتها ليست بعيدةً تاريخياً عن إصدار صحيفة الزوراء، وكان دخول الطباعة إليها العامل الحاسم في ظهورها مع ملاحظة أن هذه الصحافة كانت وليدة البيئة النجفية. وهذا ما جعلها ذات طابع خاص يتلاءم مع هذه البيئة من جانب آخر، في التواصل مع ثقافة الآخر.
وإن كان التخلف والجمود الذي طبع العراق طيلة أربع قرون من السيطرة العثمانية قد ترك آثاره على الحركة الفكرية والثقافية في العراق، فإنّ النجف كانت الوحيدة القادرة على الاحتفاظ بنسقها الفكري بوصفها مركز إشعاع، وكان له أن ينتظر حتى إعلان الدستور العثماني في عام 1908م، الذي ترافق مع بدء النهضة العربية الإسلامية في منتصف القرن التاسع عشر.
وقد تميزت النجف منذ نشأتها بأنّ ما هو فقهي فيها، لم يكن بعيدًا عما هو فكري وحضاري، وهذه التركيبة أسهمت فيها مجموعة من المتغيّرات صنعت النسيج الحضاري الخاص بالنجف، وأعطاها هذا التميز المرموق الذي عرفت به.
وأهم هذه العوامل هي:
المكانة الدينية
حوت هذه مرقد أمير المؤمنين إمام العلم والفضيلة وسيد الوصيين وإمام المتقين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). وبهذه التربة التي كانت وما تزال قابلة للنمو العلمي، وذلك بوجود الإعلام الذين سبقوا الشيخ الطوسي الذي هاجر إلى النجف الاشرف عام 448 هـ، وأنشأ حوزةً علمية جديدة في النجف الأشرف، كانت فتحًا كبيرًا ونواة للجامعة العلمية الكبرى.
إن رؤيةً سريعة للخطابات المعرفية التي انتجتها النجف عبر تاريخها العريق لتوضح بكل جلاء أنّ مكانتها الدينية كانت مكانةً حضارية، مثلما كانت الدرع الحصين الذي حافظ على التراث العربي الإسلامي رغم التخلّف والغزوات ومحاولات الطمس والتهميش الذي تعرّض له هذه التراث، وحجم المنجز الثقافي الذي ابدعته النجف يعطينا أكثر الصور إبداعا في تاريخنا (1). وبهذا اتسمت النجف الأشرف درة العراق المشرقة بأصالتها وعمقها الحضاري الذي تفتخر الأمم الإنسانية بحواضرها العلمية، وتعتز الشعوب بتاريخها وتراثها العلمي، فهي مرسى سفينة نوح، وهي المشرفة بوصي النبي الأعظم علي بن أبي طالب (عليه السلام) باب مدينة العلم، وهي مهوى أفئدة المؤمنين، ومدرسة العلوم، والمعارف وحلبة المجتهدين والعلماء، ومنتج الأدباء والمفكرين، مدينة العلم العظمى مدرسة الفقه الكبرى، وجامعة الإسلام العليا، قطب رحى الاجتهاد، مركز دائرة التقليد.
...............................................
1. البهادلي، محمد باقر أحمد، الحياة الفكرية في النجف الأشرف، ص 181-178.