عند اندلاع الحرب العالمية الأولى في آب من عام 1914م وانضمام الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا، وانضمامها إلى كتلة الوسط في الخامس من تشرين الثاني عام 1914م، نزلت القوات البريطانية مدينة الفاو في السادس من تشرين الثاني عام 1914م، ومن ثم خاضت غمار حرب ضد القوات العثمانية المتواجدة في العراق، واستمرت الحرب على العراق خلال المدة (1914-1918م) (1).
وحينما أكملت الجيوش البريطانية احتلالها للعراق انتهت مهمة المراكز التجارية، ودبلوماسية تعزيز النفوذ إلى السيطرة البريطانية المباشرة، واتباع أساليب تثبيت الوجود البريطاني القائم على أساس تكريس سياسة الاستيلاء والسيطرة، وإقامة نظام احتلال مطلق وهو ما عُرف بالإدارة العسكرية البريطانية للعراق (1914-1920م) ، وبدأت الإدارة البريطانية في العراق ببناء تنظيماتها على شكل مؤسسات يُديرها القادة العسكريون، وكانت سياساتهم قائمة على فرض القوانين والأنظمة الهندية التي أثارت امتعاض السكان منها (2)، وعلى ما يبدو أنَّ الإدارة العسكرية البريطانية وجدت ضالتها في الأقليات من اليهود والمسيحيين لشغل الوظائف الحكومية.
ومع الاعتراضات على نظام الإدارة العسكرية البريطانية بينت بريطانيا عن عزمها البقاء في العراق، حتى لو شكلت حكومة تمثل الشعب العراقي، فيُشير أحد الضباط البريطانيين في العراق برترام توماس (3) (Bertram Tomas) عن الاستقلال بقوله: «كيف نعطي الاستقلال الناجز والنهائي لشعب لا يعي معنی السياسة، وفي كثير من الأماكن لا تجد ذكرًا أو معنى لكلمة حكومة على الإطلاق، كيف تقيم حكومات وإدارات وطنية تقودهم إلى التخلّص من التخلّف، وتمكينهم من حق الاختيار في بلد غالبية رجاله من الجهلاء (4)». وثمة مجموعة من الافتراضات حول الحكم كانت أكثر تعقيدًا من المفهوم الصريح للحكم الاستعماري المباشر، وبات على البريطانيين إقامة دولة تستمد فيها الحكومة من ساكني البلاد، ومع ذلك سيحتفظ البريطانيون بما يكفي من السلطة السياسية لضبط السياسات والقرارات غير المقبولة التي تتخذها الحكومة الوطنية، وتمثل الأمر اللازم بإفساد علاقاتها مع الدولة العراقية (5).
وهذا ما دفع بريطانيا لتوظف من بقائها بعد فرض الانتداب البريطاني على العراق بشكل رسمي، بموجب صلّ الانتداب الصادر من عصبة الأمم في 25/ نيسان/ 1920م، التي أبرمت كنتيجة لتصفية الدولة العثمانية، وإدخال مبدأ (حماية الأقليات) في صكوك الانتداب لتبرير وجودها الدائم والعمل على التفتيت القومي (6). بل تحوّلت مسألة حماية حقوق الأقليات الدينية والعرقية إلى عقبة في تشكيل المملكة العراقية في عام 1921م، عندما أُجري استفتاء حول ترشيح فيصل بن الحسين (1881-1933م) ملكًا على العراق، فلقد طالب أصحاب الديانات والأقليات بإضافة بند في التصويت ينص على حماية حقوق الأقليات السياسية والثقافية (7).
.....................................................
1. للمزيد يُنظر: حميدي جعفر عباس، تاريخ العراق المعاصر (1914-1968م)، ص 16-21.
2. ياسين طه ظاهر، دار الاعتماد البريطانية وتكوين الحكم الوطني في العراق (1920-1932م)، ص 28-29.
3. برترام توماس (1893 - 1950) موظف مدني ورحالة إنكليزي، خدم في عدة وظائف حكومية في العراق خلال المدة (1916 - 1918م)، وفي الأردن (1922 - 1924م)، شغل بعدها منصب وزير المالية لسلطان مسقط وعُمان من (1925 - 1932م). للمزيد يُنظر: مذكرات برترام توماس، ترجمة: کامل سلمان الجبوري وعبد الهادي فنجان، (بيروت، مؤسسة العارف للمطبوعات، 2002م).
4. برترام توماس، مخاطر ورحلات في الجزيرة العربية، ص 76.
5. عديد دويشا عراق الحقبة الملكية، ص29.
6. شامل عبد القادر ومحمد جبير، يهود العراق المقدمات التاريخية والخطاب الثقافي، ص26.
7. عديد دويشا، عراق الحقبة الملكية، ص 95.