رگزت بريطانيا نشاطها في العراق بعد تزايد النفوذ الألماني، ومحاولته مد سكّة حديد بغداد – برلين التي أثارت جدلا واسعا في أروقة الدول الأوروبية المنافسة لألمانيا، فخشيت بريطانيا أن تتزعزع سيادتها على البحار، وأدركت أنَّه لم يبق بعد هذا السبيل إلى التفاهم مع ألمانيا، فتقدمت إلى فرنسا تتقرب إليها حتّى عقدت معها اتفاقية عام 1904م، ثم توسطت فرنسا بين بريطانيا وروسيا القيصرية فتم الاتفاق بينهما على تقسيم مناطق النفوذ في عام 1907م (1).
وبعد قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914م ومحاولات الشريف حسين بن علي شريف مكة البحث عن مشروع الدولة العربية الكبرى، الذي وعِدَ بهِ من قبل البريطانيين في حال إعلانه الثورة على الدولة العثمانية لتتحفظ بريطانيا على الحدود التي حددها الشريف حسين بن علي؛ ولذا وجدت بريطانيا من الضروري التوصل مع حليفتها فرنسا إلى تسوية حول تقسيم المشرق العربي، فطلبت بريطانيا أنْ تُحدد لها مندوبا لوضع اتفاقية التقسيم، فعيَّنت فرنسا مستشار سفارتها الأول بلندن فرانسوا جورج بيكو Francois Georges-Pico) (1878 - 1951م)، لتعين بريطانيا من جانبها مارك سايكس (Mark Sykes) (1919-1879م)، لتبدأ مفاوضات التقسيم السرية بينهما(2).
وفي حقيقة الأمر إن اتفاقية سايكس - بيكو لم تكن في حقيقتها إلّا ردا على تحركات الشريف حسين بن علي والقادة القوميين الذين طالبوا بالوحدة العربية القومية، والذين كانوا يأملون بأنَّ الطريق بات مفتوحًا أمام تنفيذ المشروع القومي العربي، الذي كان محور نشاطهم وتفاهمهم مع بريطانيا، والتي أثبتت التطورات اللاحقة أنَّ هذا التفاؤل لم يكن في محلّهِ(3) ، مع أنَّ بريطانيا لم تكن عازمةً على تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية، وكان لها موقف معروف منذ أن برزت روسيا كقوة كبرى مناوئة لجارتها الدولة العثمانية ومزاحمةً لبريطانيا في مناطق نفوذها، وكان رأي بريطانيا المحافظة على سلامة الدولة العثمانية، ومنع روسيا من الوصول إلى البحر المتوسط (4) The Mediterranean Sea.
ولكن الموقف تغير بالنسبة لبريطانيا بسبب تدخل الدول الأوربية في شؤون الدولة العثمانية بطرق وأساليب مختلفة، وذلك استنادًا إلى الامتيازات الممنوحة من قبل الدولة العثمانية للأجانب في تواريخ مختلفة؛ لذا أصبحت الدول الأوربية تعد تلك الامتيازات بمنزلة حقوق مكتسبة لها ولرعاياها، ودخول ألمانيا كحليف للدولة العثمانية هو ما أثار بريطانيا المحافظة على بقاء الدولة العثمانية فرأت بضرورة اقتسام أملاكها (5).
ولم تكد الدولة العثمانية تدخل الحرب حتّى بدأت المفاوضات السرية بين دول الوفاق ترى النور لاقتسام أملاكها، فقد تم الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا وروسيا في آذار من عام 1915م على أن تكون القسطنطينية من نصيب روسيا، ووافقت هذه الدول في معاهدة لندن المنعقدة في 26/ نيسان/ 1915م والتي انضمت إليها إيطاليا على أنْ يُحفظ التوازن السياسي في البحر المتوسط بمنح إيطاليا عند اقتسام الدولة العثمانية حصّة مُعادلة الحصّة بريطانيا وفرنسا وروسيا، وأعيد النظر في 26 / نيسان/ 1916م بمعاهدة لندن وعُقدت على أساسها معاهدة (زازونوف ـ باليولوك السرية) بين فرنسا وروسيا لتعيين حصتهما من البلدان العثمانية، وفيها منحت روسيا ولايات طربزون وأرضروم وبتلسيس، ومنحت فرنسا ما يُعادل حصّة روسيا من البلدان المحاذية لها من جهة الجنوب، على أنْ تُعيَّن الحدود بمفاوضة بريطانيا والاتفاق معها، وعلى إثر ذلك جرت المفاوضات وتم الاتفاق بين الدولتين على اتفاقية سايكس – بيكو في آيار من عام 1916م، فعين لفرنسا بلاد الشام (سورية ولبنان) وولاية الموصل (6). وفي ظل الانتقادات الموجهة لاتفاقية سايكس بيكو بكونها أجهضت مشروع الوحدة العربية الذي دعا إليه الشريف حسين بن علي، يتساءل الحاكم العسكري فيما بعد على العراق آرنولد ولسون (Arnold Wilson) (10-11 م): «إن تحقيق آمالهم المزعومة بالوحدة بأن يتحالف وهابية نجد وعسير وسادة الكويت والعرب في سورية والعراق فما هو مصير : تلك الأقليات(7)»، ولم تكتف بتقسيم مناطق نفوذ بل وجدت بريطانيا وفرنسا فيما بعد حجة قائمة وهي أنَّه يجب أن يضع العهد الجديد بعد الحرب على كواهل الدول الأوروبية التزامات لا نحو الأقليات العنصرية والدينية التي تعيش بين ظهرانيها فحسب، بل أيضًا التزامات نحو الجماعات الضعيفة المتأخرة التي بسطت عليها الدول القوية سيطرتها، وأنْ تقوم علاقاتها بتلك الجماعات على مبدأ الوصاية(8).
.........................................................
1. عبد الفتاح إبراهيم على طريق الهند، ص 130.
2. هـ. أ. ل. فشر، تاريخ أوربا في العصر الحديث (1789 - 1950م)، ترجمة: أحمد نجيب هاشم ووديع الضبع، (القاهرة، دار المعارف، 1958م)، ص 573.
3. رغيد الصلح (حربا بريطانيا والعراق (1941-1991م)، ص37.
4. جورج لنشوفسكي، الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، 105/2.
5. محمد إبراهيم محمد، مقاومة العرب للاضطهاد العثماني، ص 105.
6. للمزيد، يُنظر: جورج لنشوفسكي الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، ص 105-106؛ عبد الفتاح إبراهيم على طريق الهند، ص 229-230.
7. سیر آرنولد تي ويلسون بلاد ما بين النهرين بين ولائين، 32/2.
8. هـ. أ. ل. فشر، تاريخ أوربا في العصر الحديث (1789-1950م)، ص 573.