أبدت الطائفة اليهوديّة من جانبها ترحيبًا بالاحتلال البريطاني للعراق، كون البريطانيين في نظرهم سيُنقذونهم من سوء معاملة العثمانيين لهم خلال فترات حكمهم للعراق (1).
ومع دخول البريطانيين البصرة أواخر شهر تشرين الثاني من عام 1914م، وجدوا اليهود فيها «على استعداد لقبول فرص التعاون معهم، لا سيما في الجوانب الاقتصادية التي عُرفوا فيها بمجال تفوقهم، لاسيما بغداد والموصل والبصرة (2)». ولم يقتصر الأمر على ذلك بل كانت لهم علاقات مع التجار العراقيين اليهود
المهيمنين على التجارة في البلد(3)، وقد بدأ النشاط اليهودي هو الآخر على أشدّه بعد تزايد البعثات التبشيرية الأوروبية، ففي تقرير بريطاني أوضح أنَّه قد وُزِّع بين اليهود في بغداد منشور تحريض طُبع باللغة العبرية، وطبعه مُبشِّر يهودي أميركي يُدعى ويليام بلاكتون (William Blackton)، وقد اتخذ المبشرون الاحتياط لمغادرة بغداد قبل أن يوزع المنشور، وقد تضمن المنشور بيان الطريقة التي تعامل بها اليهود في العراق، وما دام اليهود يُعاملون بلا مودة فعليهم ألَّا يُظهروا منها شيئًا، وأضاف أن الحكومة العثمانية فاسدة، وأنَّ السلطة المركزية العثمانية فاسدة، وقد جاز زمن اليهود للكفاح(4).
ويبدو أن الآراء المتطرفة لبعض يهود العراق واستغلالهم الأزمة الاقتصادية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى دفعت الوالي العثماني فائق بك، ومدير شرطة بغداد سعد الدين الخناق قبل أسبوع واحد من سقوط بغداد عام 1917م بالقبض ليلا على عددٍ من الصيارفة، بحجة أنهم سببوا هبوط سعر الأوراق المالية التركية إثر تلاعبهم بسعرها، وامتناعهم عن تبديل الليرة الورقية بالليرة الذهبية، فنگل بهم تنكيلا شنيعا، وجدعت أنوفهم، وقطعت آذانهم، وسُمِلَت عيونهم، ثمّ وضعوا في أكياس وأُلقيت جثثهم في نهر دجلة (5).
وقد خضع التجار اليهود والصرّافون لرقابة شديدة، لما كانوا يتهمون به من تخزين البضائع، ومن مُضاربة الأسعار، وليس هذا فحسب بل حاول بعضهم تحاشي الخدمة العسكرية، كما حاول بعض المجندين الهرب من الجيش، وقد شنق علنا من قبض عليه منهم بتهمة الفرار، كما شنق آخرون بتهمة التجسس، فليس من المستغرب أن تُرحّب الطائفة اليهوديّة بدخول القوات البريطانية ترحيبًا حارًا، وقد أصبحت هذهِ الطائفة السند الأقوى للإدارة البريطانية (6).
اتضح أنَّ اليهود كانوا أكثر ارتياحًا بالوجود البريطاني فقد كان عددهم في بغداد يومذاك خمسين ألفًا، وخرج معظمهم هاتفين للبريطانيين (7)، وهذا الترحيب بدأ مع نزول القوات البريطانية للبصرة لم تُسجل الطائفة اليهودية موقفًا جديدًا بترحيبها بالمحتلين البريطانيين الجدد الذين وصلت قواتهم إلى مدينة الفاو في 6/ تشرين الثاني/ 1914م، ومع دخول القوات البريطانية بغداد في 11/ آذار / 1917م عدَّ اليهود هذا اليوم وهو يوم دخول القوات البريطانية بغداد بقيادة الجنرال ستانلي مود يومًا (معجزة)، احتفلوا بذكراه عدة سنين متوالية كونه يوم (حَسَن) بالنسبة إليهم، إلى حدّ أنَّهم لم يسجدوا فيه على وجوههم في صلاة الصبح، وأطلقوا أيضًا على هذا اليوم اسم ( يوم الأعجوبة)، مدعين أنَّهم تنفسوا فيه الصعداء باحتلال الإنكليز لبغداد، ووصفوهم بالمنقذين فاستقبلوهم بالتهليل والترحيب (8).
وعلى هذا النحو شبّه أحد الكتاب البريطانيين دخول ستانلي مود إلى بغداد بدخول كورش الأخميني إلى بابل، عندما أعاد لهم نفائسهم التي سلبت منهم أيام البابليين، فقد شعر اليهود بأن الاحتلال البريطاني كان لهم كالاحتلال الفارسي الذي أنقذ أسلافهم من الأسر البابلي، ومن الطرائف التي أُشيعت بين اليهود المقولة الشهيرة: «ايش ما يقول لك الصاحب قُل له يس (9)».
ولم يكتف اليهود بالتعبير عن فرحهم بدخول البريطانيين بل أقامت مدرسة الإليانس اليهودية (10) في 16 / تشرين الثاني / 1917م حفلةً على شرف القوات البريطانية، حضرها قائد القوات البريطانية ستانلي مود، وتذكر المس غيروترود بیل (Miss Gertrude Bell) (16 - 1926م) التي رافقت (مود)، عن أحوال اليهود، قائلةً: «إنني عازمة على الانصراف إلى العناية بالطائفة اليهودية، والوقوف على الكثير من التفاصيل المتعلقة بها وبنشاطها العام، مما لا شكّ فيه أنَّ هذه الطائفة سيكون لها في يوم ما شأن كبير (11)».
وبالرغم من ذلك فإنَّ اليهود استطاعوا من خلال تشعب نشاطاتهم التجارية وانتشارهم في المدن العراقية تمكنوا من ترسيخ قوتهم الاقتصادية بالتدريج، والسيطرة على أغلب الحلقات التجارية ليستفيدوا من وقوع الحرب العالمية الأولى بالتقارب مع الإدارة العسكرية البريطانية في العراق (12).
وفي أعقاب انتهاء العمليات العسكرية تهافت اليهود بدورهم على التوظف في الدوائر الرسمية، وملاً شبابهم بوجه خاص دوائر المالية والمحاسبات والكمارك والمكوس والبريد والبرق والسكك الحديدية وميناء البصرة، ولم تخلُ
منهم دوائر وزارة الداخلية والعدليّة والجيش والشرطة، وشغلوا وظائف شركة النفط وسائر المؤسسات البريطانية والوطنية (13).
ويبدو أن سبب تهافت اليهود على الوظائف يعود إلى سياسة بريطانيا، وتقربها إلى الأقليات ومنها اليهودية، فاستخدموهم ووثقوا بهم شأنهم في التعامل مع الأقليات في كل مكان، ولأنّهم كانوا أكثر إخلاصا لهم، فتحوا لهم أبواب المؤسسات الحكومية، كما فتحوا أبواب المدارس، وكانت مكاتب الحكومة غاصَّةً بهم، حتّى شغل بعضهم مناصب رفيعة وصلوا إليها في سنوات الاحتلال (14).
درست الإدارة العسكرية البريطانية من جانبها أحوال الطوائف الأخرى ومنها اليهودية بحجة سوء أوضاعها في العراق، ففي تقرير سري للحاكم العسكري البريطاني في العراق بيَّن الأوضاع المتردية للمدارس اليهودية العراق، موضحًا أن سبب عدم التحاقهم بالمدارس الأخرى واقتصارهم على مدارس الطائفة المكتظة بالطلبة: «أنَّهم أُرسلوا إلى المدرسة لا ليتعلموا، بل لمجرد أن يبتعدوا عن الأذى من الطوائف الأخرى، وطالب التقرير بضرورة تزويد بعض المدارس اليهودية بالمال (15).
وبهدف تنظيم الأوضاع في العراق عزمت بريطانيا على تشكيل حكومة محلية في العراق بعد أحداث ثورة 1920م (16)، وناقش الحاكم العسكري أوضاع الطائفة اليهودية في العراق في ظل تشكيل أي كيان سياسي جديد مما أثار اعتراض اليهود، ولتخوفهم من احتمال ظهور كيان سياسي متعصب ضدّهم، يُشير تقرير بريطاني أنهم أرسلوا التماسًا يطلبون فيه أن يُسمح لهم أن يكونوا رعايا بريطانيين إذا ما أُقيمت حكومة عربية في العراق؛ ليشذوا بموقفهم. هذا من جديد عن الشعب العراقي، إلا أنَّ المندوب السامي البريطاني في العراق السير برسي كوكس هدأ من روعهم، بتقديمه الضمانات لحمايتهم من أي شكل من أشكال الاستبداد، بل وأشرك ساسون حسقيل (1860 - 1932م) كوزير للمالية في أول حكومة عراقية شكلها عبد الرحمن النقيب (1845 - 1927م) في الخامس والعشرين من تشرين الأول 1920 م (17)، ليتعزز موقفهم في ظل المملكة العراقية التي ترأسها الملك فيصل بن الحسين في الحادي والعشرين من آب 1921م، والذي بدوره أحد على المساواة في ظل الهوية العراقية.
........................................................
1. إيستر مائير غليتشتاين، رحيل يهود العراق (1948-1951م)، ص 16.
2. أحمد برهان الدين باش أعيان، النشاط الصهيوني في العراق (1941 - 1952م) أوضاع اليهود بحث غير منشور، 2013م. نسخة منه لدى الباحث (.
3. العطية غسان، نشأة الدولة (العراق)، ص 63.
4.قزانجي، فؤاد العراق في الوثائق البريطانية، ص 93.
5. الربيعي، نبيل عبد الأمير اليهود في العراق منذ السبي الآشوري والبابلي وإلى تهجيرهم القسري في منتصف القرن العشرين، ص 24.
6. العطية غسان، نشأة الدولة (العراق)، ص 131.
7. الوردي، علي لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 397/4.
8. للمزيد، يُنظر: صالح حسن عبد الله، تهجير يهود العراق (1941 - 1952م)، رسالة ماجستير، كلية التربية جامعة تكريت 2003م، ص 28؛ العبدلي، نور محمد ساسون حسقيل ودوره السياسي والاقتصادي في العراق (1860-1932م)، ص 73.
9. الوردي، علي لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 397/4.
10. مدارس الإليانس اليهودية: هي المدارس التي أنشأها الاتحاد الإسرائيلي العالمي نهاية القرن التاسع عشر في العديد من الدول، وكان لها فروع في البلدان العربية ومنها، العراق، فأسست أول مدرسة للإليانس في العراق سنة 1864م. للمزيد، يُنظر: الزبيدي، نوال کشیش محمد، موجز تاريخ اليهود في العراق، ص 86.
11. إليزابيث بيرغوين، جيرتروود بيل من أوراقها الشخصية (1914 - 1926م)، ص 122.
12. کشیش نوال موجز تاريخ اليهود في العراق، ص 20.
13. مير بصري، أعلام اليهود في العراق الحديث، ص 42.
14. السوداني، صادق حسن النشاط الصهيوني في العراق (1914 - 1952م)، ص 15.
15. تقارير إدارية لسنة 1918م عن بعض الأقسام المدنية في مناطق العراق المحتلة. للمزيد، يُنظر: العراق في سجلات الوثائق البريطانية (1914 - 1966م)، المحرر: آلف دي. ل. رش، محرر البحوث: جين بریشود، م13412.
16. تُشير الباحثة في تاريخ يهود العراق أنّه عقب ثورة العشرين اعتمدت الإدارة البريطانية على الأقليات للحصول على دعم في ترسيخ كيانهم. للمزيد، انظر: إيستر مائير، رحيل يهود العراق (1948- 1951م)، ص 16
17. العراق في سجلات الوثائق البريطانية، المحرر: ألف دي. ل. رش، محرر البحوث: جين بريشود، م2، ص 274؛ صالح حسن، تهجير يهود العراق (1941 - 1952م)، ص 30-31