

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات


المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية


التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة
حفظ البيئة في ضوء تعاليم الأنبياء
المؤلف:
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
المصدر:
الإسلام والبيئة
الجزء والصفحة:
ص88ــ103
2026-05-18
24
هناك ثمة مسائل مطروحة في الشرق والغرب بشأن حفظ البيئة ولكن لابد من الالتفات إلى أن الكلام الصحيح هو المقتبس من نداء الأديان الإلهية، والمدارس الشرقية والغربية محرومون من المعارف الإلهية، وهم عراة من الأصالة والتجذر كالإنسان الذي لا أصل له ولا نسب ولا تربطهم أية صلة بالوحي والتعاليم السماوية، أما الإنسان الذي تربطه صلة بمدرسة الوحي وكلامه يستند إلى الكتب السماوية كالقرآن والتوراة والإنجيل فهو إنسان أصيل متجذر.
وإن الأنبياء الذين سبقوا النبي إبراهيم (عليه السلام) وإن كان عددهم كثير بيد أن البشرية اليوم خاضعة تحت تعاليم الأنبياء الإبراهيميين الذين يعود تاريخهم إلى 40 قرناً على أقل التقادير. وعلى هذا فإن أي كلام حق يصدر في مجال حفظ وسلامة البشر والبيئة فهو مقتبس من نداء الأنبياء الإبراهيميين.
ثم إن الكلام المرتبط بالوحي صادر عن ذات الله المقدسة وأمـا الكـلام الصادر عن الآخرين فهو إما استنباط ناقص من كلام الأنبياء حيث أنهم جالسون على مائدة الأنبياء ومأدبتهم وإما صادر من عند أنفسهم ولا يتصف بالاستمرارية والبقاء؛ كالمدارس الإلحادية للشرق التي لا تنسجم مع فطرة الإنسان الإلهية حتى آلت من دائرة حياة البشر إلى الزوال والاضمحلال.
شبهة عدم الانسجام بين القداسة الدينية وبين العلوم والأمور المادية
يقول البعض إن الدين والأمور المقدسة إن دخلت الساحة الدنيوية للناس ستفقد قداستها وتتبدل إلى أمور عرفية وإن أراد الدين المقدس التدخل في الشؤون البشرية وإدارة المسائل الطبيعية سيواجه مشكلتين رئيسيتين:
1. بما أن الأمور الدنيوية تختلف من حيث الماهية عن الأمور الميتافيزيقية والإلهية، لا يمكنها بتاتاً أن تتخذ طابعاً قدسياً. بل إن كل شيء يملك من نفسه ذاتاً وماهية لا يستطيع أن يتبدل ذاتياً إلى أمر ديني؛ إذ لا يمكن للشيء أن يمتلك ذاتين وماهيتين؛ فالماء أو البناء أو ما شاكلهما له ذات خاصة ولذا لا يوجد لدينا ماء ديني وماء غير ديني أو شراب ديني وشراب غير ديني. وكذلك الحال في مسألة العدل والحكومة والعلم والفلسفة وأمثالها فلا يتصور فيها أن تصبح أو أن تكون دينية.
2. وليست الأمور الدنيوية والبشرية غير قدسية فحسب، بل إن الأمور المقدسة التي ترد ساحة الطبيعة أيضاً تفقد قيمتها وقداستها وتتبدل إلى أمـور عرفية دنيوية؛ ومعنى ذلك أن كل ما يدخل عالم الطبيعة يصبح طبيعياً ويغمره غبار الطبيعة وكل ما يدخل دائرة الاجتماع البشري يتبدل إلى مسألة اجتماعية بشرية. وبعبارة أخرى لا يوجد في عالم الطبيعة والاجتماع البشري أمــر مـا وراء الطبيعة وما وراء الاجتماع البشري وحتى الروح التي تفوق الطبيعة فهي تتجلبب عبر دخولها بيت الطبيعة بجلباب الجسمية.
والحاصل أن على الدين المقدس وتعاليمه القدسية ألا تجتاز خطاه الحدود الفردية، ولا تطأ الميادين الاجتماعية والحكومية والمعيشية وفي كلمة واحدة السياسة البشرية؛ إذ على أثر الإثنينية الماهوية بين الدين والأمور البشرية والدنيوية، لا يتأتى للدين تقديس مثل هذه الأمور، بل يفقد قداسته هو أيضاً ويتبدل إلى أمر عرفي بشري.
ومن هنا لا ينبغي على المشفقين وعلماء الدين أن يتجشموا العناء لجعل الأمور البشرية دينية؛ لأن جهودهم ومساعيهم ستذهب هباء منثوراً، إضافة إلى أن فقدان الدين قداسته سيوقع أساس تدين المجتمع في الخطر.
محاور النقد
للبحث في الدليل الثاني لابد من التعرض للمسائل التالية:
أ: مفهوم القداسة
كل فعل أو أمر اتخذ طابعاً إلهياً وانطلت عليه صبغة ربوبية فهو مقدس في الرؤية الدينية. وقد اعتبر الله أن الصبغة الأمثل لشؤون العالم هي الصبغة الإلهية: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138] وكل ما يتخذ مثل هذه الصبغة بأي نحو من الأنحاء فهو أمر مقدس.
وقد وضع الله طريق الوصول إليه للناس في العمل بالتعاليم الدينية وعلى الناس أن يهبوا لحياتهم صبغة دينية عبر مراعاة الأحكام الإلهية وتوفيق أعمالهم ونياتهم مع قوانين دين الحق. وكلما كان هذا التوفيق أكثر، كلما ظهرت الصبغة الإلهية بمظهر أجلى وأكبر واتخذت الشؤون الفردية وبتبعها المسائل الاجتماعية في الحياة طابعاً قدسياً وإلهياً أكثر فأكثر.
وللمزيد من التوضيح في مجال قداسة أمور العالم ينبغي لنا معرفة الدين أكثر، فإن الدين يدعو الناس دوماً إلى مسألتين أساسيتين:
1- إن الدين يطلب من منتحليه الاجتناب عن الأعمال السيئة والقيام بالأعمال الحسنة. ومن هنا فإن القرآن الكريم يعتبر الطائفة المؤهلة للبشارة الإلهية والأجر العظيم الربوبي هي تلك الطائفة من المؤمنين الذين يعملون الصالحات لا الذين يقترفون السيئات على خلاف مقتضى إيمانهم: {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].
2- إن الدين يأمر الناس أن يهتموا بتحسين أهدافهم ونياتهم. ولهذا جعـل الله سبحانه شرط قبول الأعمال الصالحة وجود ((الحسن الفاعلي)) وذلك للتوجه إلى العامل الروحي والمعنوي في ما وراء الأفعال. وقد وردت كلمات فاخرة في هذا المجال كالمروي عن الإمام السجاد (عليه السلام) في قوله: ((لا عمل إلا بنية))(1) والمروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله: ((نية المؤمن خير من عمله))(2). ومن هنا فإن مجرد الذنب وإن كان يوجب الجزاء واستحقاقه له ليس مشروطاً بكفر المذنب بل المسلم المذنب يجازى أيضاً إلا أن مجرد العمل الصالح لا يسبب دخول الجنة بل لابد من أن يكون الفاعل صالحاً ومؤمناً في جوهر ذاته. ولذا
فإن عمل الكافر الصالح لا يستوجب استحقاقه دخول الجنة.
ومن هنا فإن نداء الدين هو الوصول إلى هذين الهدفين الكبيرين ((الحسن الفعلي)) و((الحسن الفاعلي)). وعلى الناس أن يبذلوا قصارى جهدهم للقرب من هذين الهدفين القيمين وكلما اقترنت أفعالهم وسكناتهم بهذين الحسنين، كلما انطلت على أعمالهم وأفعالهم صبغة إلهية أكثر واتخذت بالتالي مزيداً من الطابع القدسي.
إذن فالقداسة مبتنية على أن تتخذ العقائد والأخلاق والأفعال الفردية والاجتماعية طابعاً وصبغة إلهية وهذا يحصل أيضاً في ضوء الحسن الفعلي والفاعلي. فإن اتضح هذا المعنى جيّداً سنعرف بأن قداسة أمور العالم لا علاقة لها بتغيير ماهيتها بتاتاً وكل عمل يتحلى بهذين الحسنين المذكورين يتخذ صبغة إلهية قدسية وإن حُسن الأشياء والأفعال وقبحها ليس بمثابة ماهيتها وأجزائها الماهوية بتاتاً حتى يسبب اتخاذها طابعاً دينياً التغيير في ماهيتها فإن هذا أمر محال.
ب: دائرة الأمور المقدسة
إن كان كل شيء يحمل طابعاً إلهياً وصبغة ربوبية فهو مقدس ولا تتيسر مثل هذه الصبغة إلا بمراعاة التعاليم النازلة من قبل الله، فإن جميع الأمور المنضوية تحت إشراف الشرع وأمره بإمكانها أن تُحسب من الأمور المقدسة؛ حتى الأفعال التي يقوم بها الناس تحت قيادة الشرع بمقتضى حاجتهم الطبيعية ـ ويبذلون في هذا الطريق جهوداً موسعة - فهي غير مستثناة من أن تكون أموراً قدسية.
ولعل البعض يزعم أن الكثير من نشاطات الإنسان وأعماله التي هي من مستلزمات حياته الطبيعية أمور اعتيادية وطبيعية وهي تتنافى ومفهـوم القداسة وحقيقتها من هذا الجانب، أما التأمل في نظر الدين وأحكام الشرع يدلنا على أن هذه الأمور أيضاً بإمكانها أن تتخذ صبغة إلهية وأن تكون دينية قدسية كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله))(3)، وقال الإمام الرضا (عليه السلام): ((الذي يطلب من فضل الله عزّ وجلّ ما يكف به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل الله عز وجل))(4)، وقال الإمام الباقر (عليه السلام): ((من طلب الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً على أهله وتعطفاً على جاره لقى الله (عز وجل) يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر))(5).
تدل هذه الأحاديث على أن الشرع الأنور ومن خلال التدخل في الشؤون الدنيوية ـ حتى في شؤون البشر الضرورية كتأمين مخارج الحياة - يؤدي إلى إيجاد الترابط بين شؤون البشر الدنيوية والمفاهيم المقدسة بالكامل ـ كالجهاد في سبيل الله ــ، وتتبدل هي أيضاً إلى أمور قدسية إلهية؛ حتى أنهـا تتحلى بنسبة عالية من القداسة بحيث يستطيع الإنسان من خلالها أن يصل في المعاد إلى أعلى مدارج الإنسانية وإلى لقاء ربه.
إذن لا يريد الدين اعتبار بعض أعمال الإنسان الخاصة وتصرفاته المخصوصة ـ كالدعاء والمناجاة - أنها من الأمور النورانية والقدسية، بل إن جميع جوانب حياة الإنسان وأنماطها مؤهلة ومستعدة لأن تكون نورانية سواء الأعمال المستقاة مباشرة من الدليل النقلي للدين المبين ـ كالصلاة والصوم والحج وأمثالها - أو الأعمال المقتبسة من الدليل العقلي للدين والمتعلقة بشؤون الحياة الدنيوية والمعيشية للمجتمع؛ حيث يمكن بأجمعها أن تكون نورانية مقدسة. ولا فرق في هذه الطائفة من الأعمال والتصرفات بين الأمور المهمة وغير المهمة؛ بحيث أن الأعمال القليلة الأهمية بالظاهر كالأكل والشرب والتنزه والسفر وما إلى ذلك إلى المسائل الاجتماعية المصيرية كالحكومة وقوانين المجتمع كلها بالإمكان أن تتخذ طابعاً قدسياً، وإن كانت متفاوتة فـي درجة القداسة. كما أن القداسة - الحاصلة عبر التعاليم الدينية ـ أيضاً لا تختص بجزء من الدين، بل أن أي بلاغ ديني بإمكانه أن يؤثر في موضوع خاص أو عمل مخصوص؛ ونعلم أن البلاغات والتعاليم الدينية لا تتلخص بـ((النقل)) (الآيـات والروايات).
وإن للدين بلاغات أخرى لا تقل حجيتها وأهميتها عن الدليل النقلي وهي ((الأدلة العقلية)) التي يتم استنباطها من العقل البرهاني وتعتبر جزءاً مهماً لا يتجزأ عن الدين، ومن هنا فإن بإمكان الأحكام العقلية - كسائر الأجزاء والأقسام النقلية للدين - أن تهب القداسة للحياة البشرية وشؤونها عبر الحفاظ على العنصرين المحوريين المشار إليهما، وكما أن العمل على أساس الأدلة النقلية (الآيات والروايات) أمر مقدس، فإن العمل على أساس الأدلة العقلية أيضاً يستجلب الأفعال والتصرفات القدسية.
وزبدة الكلام أن جميع شؤون الحياة البشرية بما أنها غير خارجة عن أحكام الدين وقوانينه العقلية والنقلية وأن كونها مهمة أو غير مهمة وطبيعية أو غير طبيعية لا علاقة لها بأن يكون للدين رأي فيها فهي بالإمكان أن تتخذ طابعاً قدسياً دينياً.
إذن لا ينبغي البحث عن الأمور المقدسة في العبادات ومناجيات الكنائس والمساجد فحسب، ودائرة مفهوم التقدس أعلى مما يتصوره البعض في ذهنـه حيث يفصل الأمور الدنيوية عنه بالكامل؛ فإن تقسيم الثروة مثلاً وتوفير الإمكانيات الاقتصادية للشعب وتقديم الخدمات الصحية والعلاجية والحفاظ على الأمن الداخلي والخارجى ومراعاة الأصول البيئية والحؤول دون تخريب بيئة المجتمع وغيرها بالإمكان أن تتخذ بأسرها طابعاً دينياً قدسياً وذلك بأن يتم إنجازها عن عدل وعقل وتقديم المصالح الوطنية على المصالح الشخصية وأن تكون كلها للوصول إلى قرب الله ورضاه.
ج: مستند الأمور المقدسة
إن دين الإسلام وكلّ شيء له صبغة دينية قدسية وكل ما يطلق عليه بأنه أمر مقدس يستند إلى سند تكويني يغطي جميع أقسام العقائد والأخلاق والحقوق والفقه ومعنى ذلك أن هناك حقائق تكوينية فـي مـا وراء الأحكام والتعاليم الدينية وإن التعاليم المذكورة في الواقع هي نفس تلك الحقائق التي ظهرت بكسوة الاعتبار وتجلّت بصورة الدين بحيث أن حقيقة الدين أيضاً إذا أرادت أن تخلع لباس الاعتبار من جسدها وأن تظهـر علـى حقيقتها فهـي ستتجلى على هيئة نفس تلك الحقائق العينية.
إذن فالدين يُمثل الشكل الاعتباري لعالم الوجود وحقيقته هي نظام الكون ليس إلا بحيث يمكن اعتباره تفسيراً لعالم الوجود بجميع أشكاله. وبعبارة أخرى لا يمكن اعتبار الدين أنه مجرد قواعد وقرارات اعتبارية قد تم تنظيمها واعتبارها من دون أي مرتكز تكويني بل لابد من العلم أن لجميع أجزاء الدين مبنى ومنشأ عيني قويم وقيم. ويمكن في هذا الشأن الإشارة إلى تجسم أعمال الإنسان في النشأة الأخرى.
ومن الواضح أن نعم الجنة - كأنهر العسل والخمور اللذيذة في الجنة ـ لم تكن من نتاج المواد الطبيعية - كالزهرة والنبات وجهد النحل وعصارة العنب بل العقيدة والأخلاق والعمل الصالح للإنسان هو الذي يصنع مثل هذه النعم ويعرضها بهذا الشكل. ومن هنا قال الله في القرآن الكريم: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16] ولم يقل: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التحريم: 7]؛ أي أنه لم يقل بأنكم تجزون على أساس أعمالكم وبسببها بل قال بأن جزاؤكم هو متن أعمالكم وإن ما تشاهدونه هو عين عملكم.
فإن أحسن مؤمن أو قضى حاجة شخص أو قام بعمل صالح سيكون ظهور وبروز حقيقة هذه الأعمال - التي تم بيانها وشرحها في الدين والشرع المقدس ـ في المعاد هي نعم الجنة. وإن اقترف شخص ذنباً كالكذب أو الظلم المحرمة في الدين والمنهي عنها في الشرع المقدس - فإن ظهورها وبروزها هي ألوان العذاب والصعوبات التي أوجدها الشخص بنفسه. فإن الأحكـام الدينية وإن كانت اعتبارية وتمثل طائفة مما ينبغي وما لا ينبغي عمله، بيد أن لها حقائق كامنة في ما وراء هذه الاعتبارات وهي بمثابة سند لها.
ولبيان المسألة نشير إلى المراحل المختلفة لنظام التكوين. وهـي ـ بترتيب قوس الصعود - عبارة عن عالم الطبيعة والمثال والعقل ولقاء الله وإن كيفية نضد وترتيب المراتب المذكورة هي أنها تبدأ من الناقص والمستكفي وتختم بالتام وفوق التام.
هذه المراحل تُبيّن كيفية سير الإنسان إلى الله؛ ذلك المسير الحقيقي والواقعي الذي لابد للإنسان السالك أن يطويه مرحلة تلو أخرى حتى الوصول إلى منتهاه وهو لقاء الله.
وميزة هذه المراحل هي أن لا سبيل للفصل والانقطاع فيها بل هي متصلة بعضها مع بعض بالكامل بحيث أن كل مرحلة فوقانية تمثل حقيقية المرحلة التحتانية وكل مرحلة تحتانية تمثل رقيقة المرحلة الأعلى. وهي تبين طريقـاً مستقيماً تكوينياً خالياً من أي تشقق وفطور وقد قال الله في هذا الشأن:
{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1] ثم علم الإنسان قائلاً له: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6].
يظهر من التدبر في كلمة ((كدح)) أن الوصول إلى لقاء الله يتحقـق عـبر طريق متصل غير منفصل. فلو لم يكن هناك طريق من عالم الطبيعة إلى عالم المثال أو كان هناك فاصل بين عالم المثال وعالم العقل أو كان الطريق بين عالم العقل ولقاء الله منقطعاً مفصولاً لما قال القرآن {كادح} بـل مـن المفروض أن يستعمل كلمة أخرى.
إذن فالنظام المائل أمامنا في عالم التكوين متصل ومرتبط بعضه مع بعض بالكامل وكل يمثل حقيقة الآخر أو رقيقته. وإن القرآن الكريم لبيان كيفية الارتباط فيما بين هذه المراحل عرف مخلوقات العالم الأعلى بأنها مدبّرة للعالم الأسفل وعبّر عنها بـ ((مُدبّرات الأمر)) واعتبر أيضاً موجودات العالم بأسره - سواء كانت ضمن العالم العلوي أو السفلي – ((مسبحة))، ((ساجدة))، ((مسلمة)) و ((طائعة)) لخالقها تقدّست أسماؤه. فللمخلوقات الأسمى في عالم الوجـود علـى الموجودات الأدنى ـ بإذن الله - إشراف علي وتدبيري وللموجودات الأدنى بالنسبة إلى المخلوقات الأعلى تشرّف معلولي فقد تبينت كيفية الارتباط بين الأجزاء والمراحل المختلفة لنظام التكوين بهذا الترتيب.
يتضح مما ذكر أن هناك صبغة ملكوتية مستحكمة مترابطة قد غطت جميع أرجاء العالم وعلى هذا الأساس تكمن في ما وراء الكثير من الأمور ـ التي قد يحسبها البعض أنها بسيطة صورية - حقائق وركائز قويمة تكوينية. ومن هنا لا ينبغي أن نُلخص الدين وكلّ ما اتخذ طابعاً إلهياً في ظواهره بل توجد في ما وراء هذا الظاهر الاعتباري أمور حقيقية تمثل دعائم تكوينية للأمور الاعتبارية ومعنى ذلك أن الأمور الاعتبارية للأخلاق والفقه والحقوق مسبوق بملاكات تكوينية وملحوقة بالأجر والجزاء التكويني وإن الدين والأمور الإلهية المقدسة مع وجود هذه الدعائم إذا دخلت عالم العرف فإنها لا تفقد قداستها بل تهب القداسة لما يحيط بها.
وعلى سبيل المثال فإن جميع أفراد المجتمع يجلسون على الأرض ويقومون ويأكلون ويشربون وكل هذه أمور مادية وراتبة في الحياة اليومية، إلا أن نفس هذا الجلوس والقيام والأكل والشرب قد تتخذ صبغة ملكوتية وطابعاً قدسياً لما يكون لها من نصيب من العوالم الأخرى ولارتباطها بالدين. وعلى هذا الأساس يكون لبعض الأشياء والأمور العرفية تمايز على سائر الأشياء والأمور؛ كالتراب مثلاً فإنه متوفر في العالم بكثرة إلا أن بعض الأتربة تتصف بالقداسة والشفاء - كتربة سيد الشهداء (عليه السلام) - وكذلك الماء فإنه موجود في العالم بكثرة إلا أن بعض المياه تكون شافية - كماء زمزم المتبرك ـ كما أن جماع المختلفين في الجنس أيضاً كثير في عالم الطبيعة كجماع الحيوانات البرية و
البحرية وتلقيح النباتات أيضاً ولكن لا تتحقق قضية ((النكاح سنتي))(6) ولا تتجلى حقيقية ((من تزوّج فقد أحرز نصف دينه))(7) إلا إذا تزوج شخصان مسلمان وحينئذ يتخذ هذا الاجتماع من الذكر والأنثى طابعاً قدسياً؛ إذ يكمن فيه هدفاً أسمى من إرضاء الغريزة.
إن هذه الأمور المقدسة من حيث العناصر المادية ليست بعيدة عـن عـرف المجتمع، ولكن بما أن لها ارتباط بالمنشأ الإلهي والحقيقي واتصال بما وراء الأمور الظاهرية فهي تتمتع بنوع من القرب من منشأ جميع الحقائق وتتخذ طابعاً قدسياً إلهياً؛ كالماء الكرّ الذي لا يتنجس بملاقاة المتنجس بل يسبب طهارة الأشياء المتنجسة أيضاً.
والمثال الرائع الآخر - المناسب للتقريب للأذهان ـ هـو سـلوك الأئمة الأطهار (عليهم السلام) مع الفقراء. فإنهم يعلمون ((إن المسكين رسول الله فمن منعـه فقـد منع الله ومن أعطاه فقد أعطى الله))(8)، ولهذا إن سألهم سائل شيئاً وضعوا الصدقة في يده ثم عمدوا إلى أيديهم فشموها وقبلوها ومسحوا بها على رؤوسهم وأعينهم وقالوا: {أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 104](9)؛ ومعنى ذلك في الحقيقة أن الله (في مقام الفعل) يأخذ الصدقة من أيدينا فيتسبب ذلك أن تتبرك يدنا العرفية والاعتيادية، وكذلك الحال في وقت الدعاء والتضرع حيث كانوا يرفعون يدهم إلى الله ثم يمسحونها على أعينهم ووجوههم.
والحاصل أن الدين والأمور المقدسة لارتباطها مع الحقائق التكوينية واستنادها إليها ـ وقد مرّ شرح هذا الارتباط ضمن بيان المراحل الأربع لنظام التكوين ـ إذا دخلت عالم العرف فإنها لا تفقد قداستها بل تهب القداسة للأمــور العرفية أيضاً.
د: الأمور القدسية واستنباط الناس
من الواضح أن معرفة الناس بالحقائق الدينية والإلهية أمر قيم للغاية وإن الهدف من إرسال الرسل وبعثة أنبياء الله هو إدراك الحقائق الدينية بشكل جيد من قبل الناس والسير في الصراط المستقيم. فكم من مجاهد ـ بــل ونبـي - فدى نفسه العزيزة في سبيل الله وشرب شربة الشهادة ليتعرف الناس على التعاليم الإلهية ويدركوا نداء الإسلام الأصيل.
ولذا فإن فهم الناس للدين بشكل صحيح وكذا إقبالهم وهدايتهم تتمتع بأهمية وقيمة بالغة بحيث أن الله يعتبر إقبال الناس وتوجههم من مواطن النصر الإلهي ويأمر نبيه بحمد الله وتسبيحه شكراً لهذه النعمة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3].
ورغم كل ما يحمله دين الإسلام من أهمية وقيمة لهدايـة الناس وفهمهم الصحيح وتوجههم نحو الله وتعاليمه، فإنه لا يبني بتاتاً قداسة الدين وقيمته الباطنية والمقدسات الربوبية على رأيهم وفهمهم واستنباطهم. وإن قداسة الأمر المقدس لا تتعلق برأي الناس وتقوى وتضعف على أساس آراء الموافقين والمخالفين منهم، لأن الأمور المقدسة - كما ذكرنا - ليست من الأمور التي لا أصل لها ولا أساس حتى تبقى على قداستها إن اعتبرها الناس مقدسة وتدخل في عداد الأمور العرفية والطبيعية الأخرى إن رفع الناس يدهم عن تقديسها. وإن هذا النمط من الفكر ناجم من انطباع أشخاص يرون الأمور القدسية وليدة توهم عامة الناس وتخيّلهم ولا يرون للمقدسات الدينية اعتباراً أكثر من ذلك، والحال أن الدين إلى جانب بيان الموقع القويم للأمور القدسية ودعائمها المحكمة، لا يربط إقبال الناس وإيمانهم أو إدبارهم وإعراضهم بقيمة واعتبار الأمور القدسية وكل ما يحمل صبغة وحيانية إلهية بتاتاً.
____________________________
(1) الكافي، ج 1، ص 70.
(2) الكافي، ج 2، ص 84.
(3) وسائل الشيعة، ج 17، ص 67.
(4) الكافي، ج 5، ص 88.
(5) وسائل الشيعة، ج 12، ص 11.
(6) بحار الأنوار، ج 103، ص 220.
(7) بحار الأنوار، ج 103، ص 219.
(8) نهج البلاغة الحكمة 304.
(9) (راجع وسائل الشيعة، ج 9، ص 433-435).
الاكثر قراءة في البيئة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية


قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)