البر والخير جامعان وتامان
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص100-103
2026-06-03
51
علمنا بأن مفاد القسم الأول من الآية الشريفة: (لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ) [البقرة: 177] هو نفي التلازم بين البر والاتجاه نحو المشرق والمغرب في الصلاة لكنه تم اثبات ذلك التلازم بين الايمان والاخلاق والعمل الصالح من جهة وبين البر والخير والعبارات التالية في تلك الآية من جهة أخرى: (وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ) [البقرة: 177] فالبر التام يمثل مجموع تلك الكمالات وما كان فاقدا لهذه الكمالات فليس برا كاملا لانتفاء المجموع بانتفاء أحد أجزائه إذا فعندنا يفتقد أحدهم لأي جزء من أجزاء تلك المجموعة فمن الطبيعي أن يكون هذا الشخص محروما من الخير فكيف بمن كان فاقدا لكل أجزاء تلك المجموعة فهذا أحرى بأن يكون محروما من الخير التام الذي يعتبر ثمرة الايمان الكامل والعمل الصالح في جميع الشؤون والمسائل ؟ولذلك نلاحظ القرآن الكريم يشير في أحيانا الى هذين المبدأين – أي الايمان والعمل الصالح- معا كبعد اثابتي (إيجابي) ويشير في أحيان اخرى الى المبدأين المقابلين لهما – ونعني الكفر وترك العمل الصالح في اطار الايمان – كبعد سلبي واستنادا الى الايات المتعلقة بالجزء الايجابي فإن الخير لايملكه الا من اتصف ب الحسن الفاعلي والحسن الفعلي وليس ذاك سوى المؤمن الموحد صاحب الروح الطاهرة ومعنى ذلك أن يكون خلقه وعمله مطابقين لعقله ونقله الموثوق ويعبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله: (مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ[1]) وحول البعد السلبي ونقصد بذلك الحرمان من الخير الجامع وفقدان الحياة الطيبة عند غياب الايمان والعمل الصالح يقول القرآن الكريم: (يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ[2]) و(كَسَبَتۡ) معطوفة على الفعل (ءَامَنتُ) فيكون المعنى هكذا: أولم تكن كسبت في إيمانها خيرا ووفقا لهذه الاية إذا كان الشخص فاقدا للحسن الفاعلي – أي أنه لم يكن مؤمنا أصلا - أو الحسن الفعلي – أي أنه كان مؤمنا لكنه لم يقم بأي عمل صالح فإن مثل هذا الشخص لن يجد خيرا بتاتا وعليه فمن اجتمع فيه ذينك المبدأين يعني الايمان والعمل الصالح كان مجمعا للخير ومن فقدها - كلا أو جزءا - فهو المحروم بعينه من الخير. والخلاصة: فإن البر والخير مركب يشتمل على الايمان والعمل الصالح فمن لم يكن مؤمنا بأصول الدين ومبادئه أو كان مؤمنا بمبادئ الدين إلا أنه لم يتصرف وفقا لذلك الايمان فقد أضاع ذلك المركب ولا خلاق له من البر والخير لزوال المركب بزوال أحد أجزائه ولهذا نجد أن القرآن الكريم يذكر الايمان والعمل الصالح جنبا الى جنب وتعتبر هذه الاية كذلك بمثابة شرح للآيات التي تشير الى أن الايمان والعمل الصالح هما محور سعادة الانسان. ونستنتج من ذلك: إنه إذا اعتبر أحدهم الاتجاه نحو بيت المقدس والصلاة الى قبلة منسوخة هو معيار الخير والبر أو مصداقا لهما فإن القرآن الكريم يجيبه على ذلك قائلا: إن مجموع الايمان والعمل الصالح هو المعيار الحقيقي للبر والخير وليس الاتجاه نحو بيت المقدس لأن ذلك لم يعد برا بعد نسخه وحتى عندما كان هذا الفعل برا قبل نسخه فإنه لم يكن سوى بر جزئي يندرج ضمن واجبات الابرار: (لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ) هذا وقد نفت الاية الشريفة كمال البر عن ذلك العمل حتى قبل نسخه بمعنى أن ذلك العمل فهذا المجموع هو في الحقيقة جزء من البر لا يعادل هذا الكل والمجموع للبر فهذا المجموع يشتمل على ذلك الجزء بالاضافة أما بعد النسخ فقد أزالت الاية المذكورة كل بر أصلا عن ذلك الفعل وعلى هذا الاساس فإن الاية التي نتحدث عنها تشبه الاية الشريفة: (أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ[3]) حيث نفت ماتوهم به المشركون من تطابق بعض الوظائف والاعمال كالأشراف على سقاية حجاج بيت الله الحرام أو تولية الكعبة الشريفة وعمارتها والمناصب مع الايمان بالمبدأ والمعاد أو حتى المقارنة بينهما إطلاقا ففي أوقات الحرب ينبغي على الجميع المسارعة الى جبهات القتال للحفاظ على بيضة الاسلام والا فلن تبقى هناك أية كعبة ليقوم أحدهم بالاشراف عليها أو يحظى بشرف رعايتها وعمارتها ولعل اعتداء الاموين على الكعبة الشريفة وحرقها بالمنجنيق هو أكبر دليل على مانقول[4]. وبالاضافة الى نفي هذه الاية التسوية والمعادلة بالاستفهام الانكاري فقد أكدت عدم الاستواء بصريح العبارة بقوله تعالى: (لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ).
[4] بحار الانوار: 2/ 287, وقال صاحب تفسير الصافي: 1/ 22-23: وفيما ورد عن الامام الصادق عليه السلام من سؤال تفسير الايتين عن أبي حنيفة دلالة ايضا على ماذكرناه من السقوط وهو مارواه في علل الشرائع باسناده عنه عليه السلام أنه قال لأبي حنيفة: أنت فقيه أهل العراق ؟ فقال: نعم قال (فبم تفتيهم؟) قال: بكتاب الله تعالى وسنة نبيه. قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معترفته وتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ فقال: نعم فقال يا أبا حنيفة لقد ادعيت علما ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذي أنزله عليهم ويلك وماهو إلا عند الخاص من ذرية نبينا وما أراك تعرف من كتابه حرفا فإن كنت كما تقول ولست كما تقول فأخبرني عن قول الله تعالى (سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ) [سبأ: 18] أين ذلك من الارض ؟ قال: أحسبه ما بين مكة والمدينة فالتفت أبو عبد الله عليه السلام الى أصحابه فقال تعلمون أن الناس يقطع (عليهم) ما بين المدينة ومكة فتؤخذ أموالهم ولا يؤمنون على أنفسهم ويقتلون ؟ قالوا نعم فسكت أبو حنيفة فقال: يا أبا حنيفة أخبرني عن قول الله عزوجل: (وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ) [آل عمران: 97] أين ذلك من الارض ؟قال: الكعبة قال: أفتعلم أن الحجاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمنا فيها؟ فسكت.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة