(الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) و(الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ)
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص520-522
2026-07-09
43
عندما يغطي ظل الأرض المظلم كل مكان (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ[1])، فإنّ الليل يبدأ بالانتهاء تدريجياً ليظهر بعد ذلك شريط أبيض عمودي بلون ذنب الذئب يُسمّى «الفجر الكاذب معلناً بشكل غير صحيح حلول الصباح. أما السر في وصف ذلك بالكاذب فهو أنّ ما يحصل في الحقيقة هو انتهاء الليل وليس ابتداء النهار (أو الصباح)، ولهذا، يختفي ذلك الشريط بعد فترة قصيرة، ثم يبدأ شريط أبيض بتغطية الأفق في الجهة الشرقية حيث يزداد نوره شيئاً فشيئاً معلناً صدق حلول النهار التالي. ويُطلق على هذا الشريط الأبيض الأفقي الذي يعلوه شريط داكن أُفقي الفجر الصادق» لأنه صادق في إعلان حلـول الـيــوم الـتــالي بحق.
وخلال طلوع الفجر الصادق ينفصل ذينك الشريطين عن بعضهما البعض ويتميزان بشكل واضح لكنهما يظلان فوق بعضهما إلى فترة معينة. فأما الشريط الأبيض الواقع تحت الشريط الأسود والذي يُضيء بنوره كل أرجاء الشرق فيُدعى (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) ويسمّى الشريط الداكن الأسود الذي يعلو الشريط الأبيض والذي يُمثل ما تبقى من الليل الفائت (الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) وتبدو حدود الشريط الأسود وهيكله كله واضحاً تماماً وذلك لوقوعه فوق الأفق، بينما لا يظهر من الشريط الأبيض سوى بعض حدوده بسبب وقوعه تحت الأفق في حين يكون هيكله مختفياً في الأفق.
وبهذا الكلام فإن قوله تعالى: (مِنَ الْفَجْرِ) يتعلق بـ (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) وبيانه وتفسيره فكأنها سأل أحدهم عن الخيط الأبيض فأجابه الله تعالى بقوله: إن الخيط الأبيض هو من الفجر، وأما الخيط الأسود فيعود إلى الليل، ولما كان هذا المعنى يُفهم بقرينة المقابلة مع قوله سبحانه (مِنَ الْفَجْرِ) فإنّه لم يصرح بعد قوله (الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) بجملة (مِنَ اللَّيْلِ) وذلك أولاً: لورود جملة (إِلَى اللَّيْلِ) فيما بعد فيكون ذكرها حينئذ تكراراً. وثانياً: فإن المعنى الذي تحمله جملة (مِنَ الْفَجْرِ) غير موجود في جملة من الليل، حيث يُفهم بوضوح الحدين الزمنيين المخصصين للصيام من خلال الجمع بين جملة (مِنَ الْفَجْرِ) و(إِلَى اللَّيْلِ).
وأما معيار بداية اليوم (أو النهار) فهي كلمة (يَتَبَيَّنَ) في قوله تعالى: (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ)، ففي الليالي المقمرة لا يمكن التمييز بين الليل والنهار؛ وذلك لأننا لا نستطيع التفريق فيما إذا كان النور المرئي هو نور القمر أو ضياء الفجر الصادق، ولذلك قال بعض الفقهاء بضرورة الاحتياط والتأني قليلاً في الليلة الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة من شهر رمضان حتى يُمكن التمييز بين ضوء النهار ونور القمر، ثمّ أداء صلاة الفجر، ولكن ووفقاً لبعض البحوث الفقهية فإنّ مثل هذا الاحتياط لا يُعدّ واجباً حيث نُوكل تفصيل هذه المسألة إلى علم الفقه الشريف.
تذكير: 1. يبدأ الصيام عند تمييز الشريطين أو الخطين الأبيض والأسود عن بعضهما البعض، أي الفجر الصادق وإن لم ينتشر ضوء النهار بعد في كل مكان إلا أن الصيام لا يُمثل بيان واتضاح الليل أو تمييز الخطين الأسود والأحمر عن بعضهما البعض، بمعنى أنه لا يجوز الإفطار بمجرد تمييز الخط الأحمر فوق الأفق عن الخط الأسود تحته، بل يحل الليل بصورة كاملة بزوال الحمرة في الشرق وتلوّن الأفق الشرقي بلون واحد، وعندها فقط يجوز الإفطار.
2. ورد في بعض الأحاديث النبوية الشريفة أن أذان بلال لا يمنع من تناول السحور[2]، كما أنّ الصبح المستطيل لا يمنع ذلك كذلك إلا إذا كان صبحاً مستطيراً. وقد بينا قبل هذا الفرق بين الصبح المستطيل (العمودي) وبين الصبح المستطير (الأفني)، وأما ما قيل في كون أذان بلال مانعاً وعدم ذلك في أذان ابن أم مكتوم فلان أذان بلال كان لإيقاظ الناس لأداء صلاة الليل لا فريضة الصبح[3].[4]
[2] من لا يحضره الفقيه 1 / 261. قال الصدوق قدس سره: وكان بلال يؤذن بعد الصبح، فقال النبي ﷺ: إن ابن أم مكتوم يُؤذن بالليل فإذا سمعتم أذانه فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعوا أذان بلال، فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته وقالوا: إنه عليه السلام قال: إن بلالا يؤذن بليل فإذا سَمِعتُم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم.
[4] قال الأستاذ العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان: 2 / 48): قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) ، الفجر فجران، فجر أول يُسمى بالكاذب لبطلانه بعد مكث قليل وبذئب الشريحان لمشابهته ذنب الذئب إذا شاله، وعمود شعاعي يظهر في آخر الليل في ناحية الأفق الشرقي إذا بلغت فاصلة الشمس من دائرة الأفق إلى ثمانية عشر درجة تحت الأفق، ثُمّ يبطل بالاعتراض فيكون معترضاً مستطيلاً على الأفق كالخيط الأبيض الممدود عليه وهو الفجر الثاني ويُسمّى الفجر الصادق الصدقه فيما يحكيه ويخبر بـه مـن قدوم النهار واتصاله بطلوع الشمس. ومن هنا يُعلم أن المراد بالخيط الأبيض هو الفجر الصادق، وأن كلمة (مِنَ) بيانية، وأن قوله تعالى: (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) من قبيل الاستعارة بتشبيه البياض المعترض على الأفق من الفجر المجاور لما يمتد معترضاً معه من سواد الليل بخيط أبيض يتبين من الخيط الأسود. ومن هنا يُعلم أيضاً أن المراد هو التحديد بأول حين من طلوع الفجر الصادق فإن ارتفاع شعاع بياض النهار يبطل الخيطين فلا خيط أبيض ولا خيط أسود. قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) لما دلّ التحديد بالفجر على وجوب الصيام إلى الليل بعد تبينه استغنى عن ذكره إيثاراً للإيجاز، بل تعرض لتحديده بإتمامه إلى الليل.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة