المقام الخامس: في آداب متفرّقة نافعة
فمنها: استحباب السجود عند الريح العاصف، والدعاء بسكونها، والتكبير، فقد ورد أنّ ذلك يسكّن الريح ويردّها.
وقال (عليه السّلام): ما بعث اللّه ريحا إلّا رحمة أو عذابا، فإذا رأيتموها فقولوا: «اللّهمّ إنّا نسألك خيرها وخير ما أرسلت له، ونعوذ بك من شرّها وشر ما أرسلت له». وكبّروا وارفعوا أصواتكم بالتكبير فإنّه يكسرها.
ومنها: عدم جواز سبّ الرياح، والجبال، والساعات، والأيام، والليالي، والدنيا؛ لما ورد من نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عن سب الرياح؛ لأنّها مأمورة، وأنّها من نفس الرحمن، وأنّها بشير، وأنّها نذير، وأنّها لواقح، وأنّ من لعن شيئا ليس له بأهل ترجع اللعنّة عليه.
وأمر (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بسؤال اللّه من خيرها، والتعوّذ به من شرّها.
وقال (صلوات اللّه عليه وآله): لا تسبّوا الجبال، ولا الساعات، ولا الأيّام، ولا الليالي، فتأثموا ويرجع إليكم.
وقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): لا تسّبوا الدنيا فنعم المطيّة الدنيا للمؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، إنّه إذا قال العبد: لعن اللّه الدنيا، قالت الدنيا: لعن اللّه أعصانا لرّبه.
ومنها: استحباب توقّي البرد في أوّله دون آخره؛ لقول أمير المؤمنين (عليه السّلام): توقّوا البرد في أوّله، وتلقّوه في آخره، فإنّه يفعل بالأبدان كما يفعل بالأشجار، أوّله يحرق وآخره يورق.
ومنها: استحباب ذكر اللّه سبحانه عند الصاعقة؛ لما عن الصادق (عليه السّلام) من أنّ الصاعقة تصيب المؤمن والكافر، ولا تصيب ذاكرا.
ومنها: استحباب التسبيح عند سماع صوت الرعد بقول: «سبحان من يسبّح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته».
ويستحب عند سماع صوت الرعد ورؤية الصاعقة قول: «اللّهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك».
وكذا يستحب قراءة الدعاء السادس والثلاثين من أدعية الصحيفة السجّادية الذي كان يقرأه (عليه السّلام) عند النظر إلى السماء، والبرق، وسماع صوت الرعد.
ومنها: استحباب قول: «صبّا هنيئا» عند نزول المطر.
ومنها: كراهة الإشارة إلى الهلال، وكذا إلى المطر بالأصابع؛ للنهي عن ذلك.
ومنها: استحباب القيام في المطر أوّل ما يمطر حتّى يبل رأسه ولحيته وثيابه، تأسيّا بأمير المؤمنين (عليه السّلام)، فإنّه كان يفعل ذلك ويقول: إنّ هذا ماء قريب العهد بالعرش.
ومنها: كراهة أن يقال للمسلم: رجيل، وللمصحف: مصيحف، وللمسجد: مسيجد للنهي عن ذلك.
ومنها: كراهة إحراق شيء من الحيوان بالنار؛ لنهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عنه (1).
ومنها: كراهة تسمية الطريق: سكّة؛ للنهي عنه، معلّلا بأنّه لا سكّة إلّا سكك الجنّة.
ومنها: استحباب التعوّذ باللّه من الشيطان الرجيم عند سماع هرير الكلب، ونهيق الحمار؛ للأمر بذلك معلّلا بأنّهم يرون ما لا ترون.
ومنها: كراهة أن يرتدف ثلاثة على دابة؛ للنهي عن ذلك، معّللا بأنّ أحدهم ملعون وهو المقدّم (2).
ومنها: كراهة العبث باللحية واليد والثياب؛ لأنّه ممّا كرّهه النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) للشيعة.
ومنها: أنّه روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنّه قال: أربع من كنّ فيه كان في نور اللّه الأعظم: من كان عصمة أمره شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، ومن إذا أصابته مصيبة قال: «إنّا للّه وإنّا إليه راجعون»، ومن إذا أصاب خيرا قال: «الحمد للّه ربّ العالمين»، ومن إذا أصاب خطيئة قال: «أستغفر اللّه وأتوب إليه» (3).
ومنها: كراهة القنازع، والقصة، والجمّة، ونقش الخضاب على الراحة للنساء بعد البلوغ؛ للنهي عن ذلك؛ لأنّ نساء بني إسرائيل هلكت من قبل القصص ونقش الخضاب، ولا يحلّ لامرأة حاضت أن تتّخذ قصة ولا جمة.
والقنازع - جمع القنزعة - : وهي الخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي.
والقصة - بضم القاف وفتح الصاد المهملة - شعر الناصية، والخصلة المجتمعة من الشعر.
والجمة - بضم الجيم وفتح الميم - ما سقط على المنكبين من شعر الرأس.
قال في الوافي: كأنّ المراد باتخاذ القنزعة والقصّة والجمة إبداؤها للرجال، ولعلّهنّ كنّ يبدين.
قلت: لا يخفى عليك ما في هذا التفسير من النظر، فإنّ الإبداء للأجانب غير الاتخاذ المنهي عنه، والذي أفهمه أنّ المراد باتخاذها هو حلق الرأس وإبقاء القنزعة أو القصة أو الجمة؛ لأنّه الذي يصدق معه اتخاذ ما ذكر، إذ لولا حلق بعض الرأس لكان اتخاذ الشعر جميع الرأس لا لخصوص القنزعة والقصة والجمة، فيكون المنهي عنه للمرأة حلق بعض الرأس وإبقاء بعض، ولا مانع من القول بكراهته، بل قد مرّ في المقام الأول من الفصل السابع بيان كراهة ذلك حتّى في الرجال والصبيان.
ومنها: أنّه روي عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنّه قال: من رفع قرطاسا من الأرض مكتوبا عليه «بسم اللّه الرحمن الرحيم» إجلالا له ولا سمه عن أن يداس كان عند اللّه من الصدّيقين، وخفّف عن والديه وإن كانا مشركين.
ومنها: كراهة التفل [رمي البصاق] إلى جهة القبلة؛ لقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): لا يتفل المؤمن في القبلة، فإن فعل ذلك ناسيا فليستغفر اللّه.
ومنها: كراهة طلب الحوائج من مستحدث النعمة؛ لما ورد من أنّ إدخال اليد في فم الأفعى إلى المرفق لإخراج الدرهم خير من طلب الحوائج إلى من لم يكن فكان.
ومنها: استحباب إخفاء النخامة والبصاق عن الناظر، ودفنهما؛ لما عن مولانا الصادق (عليه السّلام) من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إذا أراد أن يتنخّع وبين يديه الناس غطّى رأسه ثم دفنه، وإذا أراد أن يبزق فعل مثل ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مكارم الأخلاق: 2/491.
(2) تقدّم منّا ذكر سند الرواية.
(3) الخصال للشيخ الصدوق: 1/222 حديث 49.