وانتهى الخامس عشر من آذار السنة 44 قبل الميلاد بليل دامس مخيف، فأعضاء السناتوس فروا مذعورين، وأنطونيوس القنصل الجديد الوحيد الباقي امتنع في بيته، و«لبيدوس Lepidus»، «كبير الفرسان Magister Equitum» يمين الدكتاتور عبر نهر التيبر، والقتلة الفائزون المفتخرون الذين انطلقوا من قاعة المجلس منادين بالحرية اضطروا أن يلجئُوا إلى الكبيتول بضغط من الشعب، وبات زعماء السياسة ينتظرون موقف هؤلاء من سياسة رومة وخطتهم للمستقبل. وكان بروتوس قد ذكر اسم شيشرون عندما رفع خنجره واقترف جرمه، مشيرًا بذلك إلى وجوب المحافظة مع شيشرون على الجمهورية وتقاليدها، فزار شيشرون في اليوم التالي القتلة في الكبيتول، فاتضح أنهم لم يرموا إلى شيء سوى التخلص من قيصر والمحافظة على التقليد. وجرت اتصالات في السابع عشر بين أنطونيوس والقتلة، فالتأم السناتوس في هيكل تلوس بالقرب من بيت أنطونيوس، فطالب طيباريوس نيرون، وكان جمهوريًّا متطرفًا، بمكافأة القتلة الذين أنقذوا رومة من يد المغتصب المستبد. وقال غيره بإلقاء جثة قيصر في التيبر، فذكَّر أنطونيوس أن إلغاء أحكام قيصر يؤدِّي إلى ما لا تُحمد عقباه، وإلى تنازل كثير من أعضاء السناتوس نفسه عن مقاعدهم فيه. ونصح شيشرون بالاعتدال، فقال قوله كثيرون، وامتنع السناتوس عن محاكمة القتلة، واعترف في الوقت نفسه بأحكام قيصر، وأوجب تنفيذ وصيته، والاحتفال بدفن جثمانه احتفالًا رسميًّا، وبعد الاجتماع دعا أتباع قيصر القتلة إلى عشاء مشترك.
وكان أنطونيوس من أقرب المقربين إلى قيصر وزميله في القنصلية، وكان يأمل أن يكون وريثه وابنه بالتبني (1). ومن هنا إصراره على الاعتراف بأحكام قيصر في جلسة السناتوس، وعلى تصديق وصيته، فلما تُليت الوصية في بيته، وتبين أن يوليوس تبنى أوكتافيوس، وأوصى له بما عنده، واكتفى بذكر أنطونيوس بين الورثاء الثانويين، انفصمت عرى آماله، وتقوَّضت حصونها، ولكنه رأى الظرف ملائمًا والفرصة سانحة لتسنم المراتب العالية، فاندفع يستغل الحوادث لصالحه، فصالَحَ القتلةَ وتقرب وتودد إلى أتباع قيصر، وأرضى السناتوس بالمحافظة على النظم الجمهورية والتقاليد، وسعى أن يكون تحت إمرته جيش يقاتل به عند الضرورة، وذلك بتسلم مقاليد الحكم في إحدى الولايات القريبة من إيطالية (2).
وعلم الشعب الروماني بأمر وصية قيصر، وأنه وهب كل مواطن روماني ثلاثمائة «سستركة sesterce»، وأنه وهب الشعب جنائنه التي وراء التيبر(3)، فلما احتُفل بجنازته في العشرين من آذار، وتُليت القرارات باحترامه وإكرامه، ومرَّ رداؤه الملوَّث بالدم هاج الشعب وطالب بإعدام القتلة، فاضطر بروتوس وكاسيوس أن يخرجا من المدينة ويبتعدا عنها، فكان ذلك في صالح أنطونيوس، ولم يعارض أنطونيوس وصول «دولابلة Dolabella» القيصري إلى القنصلية، وعاون لبيدوس القيصري في الوصول إلى رتبة «الحبر الأعظم Pontifex Maximus»، واسترضى السناتوس باتخاذ قرار ألغى به الدكتاتورية، وأظهر السناتوس الرضى بأن منح أنطونيوس حكومة مقدونية ودولابلة حكومة سورية. ولكن أنطونيوس لم يكتفِ بهذا القدر من السلطة، فإنه لجأ إلى استمالة الجنود الذين خاضوا غمار حروب قيصر، فوزع عليهم الأراضي، وخرج في نيسان إلى كامبانية؛ ليشرف بنفسه على توزيع الأراضي، وكان لا يزال ملتحيًا حزينًا على فقد سيد الجنود! ودسَّ على وصية يوليوس، فمنح الصقليين حقوق المواطن الروماني، وأعطى «ديوتاروس Deiotarus» أرمينية الصغرى، وأدخل أنصاره إلى مقاعد السناتوس، وغض النظر عن عودة كليوبترة وابنها الصغير إلى مصر، فارتاب الشيوخ الأرستوقراطيون في أمره، وقال شيشرون: إن الدكتاتورية لا تزال حية على الرغم من وفاة الديكتاتور، وشاع في أيار خبر وصول أوكتافيوس إلى رومة، فهرول أنطونيوس إليها.
......................................
) CICERO, Phil. II, 29, 71; III, 5, 12. “testamento, ut dicebas, filius”.1)
(2) DEUTSCH, M.E., Caesar’s Son and Heir, (1928), 149; Antony’s Funeral Speech (1928), 127.
SUETONIUS, Dio, Iul. 84, 2. (3)