تعد العلاقة بين التمثيل الغذائي ونمو الأورام من أكثر المواضيع أهمية في علم الأحياء الحديث إذ لم يعد السرطان يُفهم على أنه مجرد خلل جيني بل كاضطراب شامل في تنظيم العمليات الكيميائية داخل الخلية. تبدأ هذه الظاهرة عندما تُظهر الخلايا السرطانية تحولاً في طريقة إنتاجها للطاقة فبدل الاعتماد الأساسي على الأكسدة داخل الميتوكوندريا كما في الخلايا السليمة تميل إلى زيادة الاعتماد على التحلل السكري حتى بوجود الأكسجين وهي الظاهرة المعروفة بـ تأثير واربورغ (Warburg effect) . ومع ذلك لا تتخلى الخلايا السرطانية كلياً عن وظيفة الميتوكوندريا بل تعيد توظيفها لدعم احتياجاتها الحيوية. يوفر هذا التحول إمداداً سريعاً بالطاقة إضافة إلى إنتاج مركبات وسيطة تستخدم في بناء الجزيئات الحيوية مثل الأحماض النووية والبروتينات مما يعزز النمو السريع للورم.
ولا يقتصر هذا التغيير على استقلاب الغلوكوز بل يشمل أيضاً الأحماض الأمينية والدهون. تُظهر العديد من الأورام اعتماداً متزايداً على الحمض الأميني الغلوتامين (glutamine) حيث يستخدم كمصدر مهم للكربون والنيتروجين في تخليق الأحماض النووية ودعم دورة الطاقة. وفي الوقت نفسه تقوم الخلايا السرطانية بتفعيل مسارات تصنيع الدهون داخلياً بدل الاعتماد الكامل على الدهون القادمة من الدم مما يضمن توفير مكونات أساسية لبناء الأغشية الخلوية واستمرار الانقسام. هذه التعديلات تجعل الخلايا السرطانية أكثر قدرة على التكيف مع البيئات الفقيرة بالغذاء أو الأكسجين.
ومن الجوانب المهمة أيضاً أن نواتج هذا الأيض المعدل لا تقتصر آثارها على داخل الخلية بل تؤثر في البيئة المحيطة بالورم. إذ يؤدي تراكم حمض اللاكتيك الناتج عن التحلل السكري إلى زيادة حموضة الوسط الخارجي مما يساهم في تثبيط نشاط بعض خلايا الجهاز المناعي. ومع ذلك فإن هذا التأثير يحدث بالتكامل مع عوامل أخرى مثل السيتوكينات وآليات تثبيط المناعة. كما قد تساهم هذه البيئة في تعزيز تكون أوعية دموية جديدة مما يدعم تغذية الورم ونموه.
وقد أظهرت دراسات حديثة منشورة في مجلات علمية مرموقة مثل Nature وCell أن هذه التغيرات الأيضية ليست مجرد نتائج ثانوية بل تلعب دوراً أساسيًا في تطور السرطان. وتشير الأبحاث إلى أن استهداف إنزيمات رئيسية مثل LDHA (المسؤول عن تحويل البيروفات إلى لاكتات) وGLS (المسؤول عن استقلاب الغلوتامين) قد يؤدي إلى تثبيط نمو الأورام في النماذج التجريبية. كما أن زيادة التعبير عن ناقلات الغلوكوز مثل GLUT1 أصبحت أداة مهمة في تشخيص الأورام حيث تُستغل في تقنيات التصوير مثل PET scan للكشف عن النشاط الأيضي المرتفع في الخلايا السرطانية.
إن فهم هذه التغيرات في “البصمة الأيضية” للورم يفتح المجال لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف المسارات الحيوية الخاصة بالخلايا السرطانية. فبدلاً من التأثير الواسع على الجسم كما في العلاجات التقليدية يسعى هذا النهج إلى تعطيل مصادر الطاقة والمواد البنائية التي يعتمد عليها الورم بشكل انتقائي مما قد يحد من نموه مع تقليل الضرر على الخلايا السليمة.







علي جبار الماجدي
منذ 5 ايام
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاب (سر الرضا) ضمن سلسلة (نمط الحياة)
هل كذب الفرزدق؟
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
EN