جلسَ الشيخُ على حافةِ الطريق، عصاه إلى جانبه، وعيناه معلّقتان بأفقٍ لا يُرى.
مرّ به شابٌّ متأنّق، تفوح منه رائحة الطموح، وعلى شفتيه ابتسامةُ واثقٍ لا يعرف التردّد.
قال الشاب، وهو يرمق الشيخ بنظرة استعجال:
— لِمَ تجلس هنا؟ الطريق واسع، والفرص لا تنتظر المتباطئين.
ابتسم الشيخ ابتسامةً خفيفة، كأنها خرجت من زمنٍ بعيد، وقال:
أجلس أستمع.
تعجّب الشاب:
تستمع؟ ولمن؟
أشار الشيخ إلى الفراغ أمامه وقال:
إلى الدنيا… إنها لا تكفّ عن الكلام، لكن القليل من يصغي.
ضحك الشاب ضحكةً قصيرة:
الدنيا تُعطي من يُقبل عليها، وأنا مقبل.
رفع الشيخ رأسه، وتغيّر صوته، صار أعمق:
وهل سألتَها: ماذا تُعقِب العطاء؟
سكت الشاب لحظة، ثم قال بثقة:
لذّة، وراحة، وأمان.
هزّ الشيخ رأسه:
لذّةٌ تلمع كقطرة ندى، ما تلبث أن تجفّ.
وراحةٌ إذا استقرّت، أيقظت البلاء من نومه.
وأمانٌ ينام على جناح الخوف.
اقترب الشاب، وقد خفَتَ صوته:
تتكلّم كأنك جرّبتَها.
قال الشيخ:
بل جرّبتُني فيها.
كنتُ مثلك أظنّها صديقة، فإذا بها متقلّبة.
تضحك في الصباح، وتُشهِر سكاكينها عند المساء.
صمتا.
مرّت عربةٌ مسرعة، وغبارها غطّى الطريق، ثم انقشع.
قال الشاب:
لكن الناس يتنافسون عليها، يبنون، يملكون، يُخلَّدون.
أجاب الشيخ بهدوءٍ موجع:
رأيتُ من كانوا أطول أعماراً، وأشدّ سلطاناً.
سكنوا القصور، ثم سكنوا الحُفر.
خرجوا محمولين، لا يُسألون أين يريدون.
تردّد الشاب، ثم سأل:
إذن… ماذا بقي؟
نظر الشيخ في عينيه مباشرة:
ما حملته معك حين تتركها.
فالذي خفّف عنها، زاد أمانه.
والذي استكثر منها، استكثر ممّا يُثقِل خطاه.
تنفّس الشاب بعمق، كأن حملاً انزاح عن صدره:
كأنني أراها الآن… جميلة، لكن لا تُؤمَن.
ابتسم الشيخ، ونهض متكئاً على عصاه:
هذه أول الحكمة:
أن تراها على حقيقتها، لا على زينتها.
ومضى الشيخ في طريقٍ ضيّق،
بينما وقف الشاب طويلاً…
ينظر إلى الدنيا،
لأول مرة، بعينٍ متّهمة.







وائل الوائلي
منذ 1 ساعة
العنوان سرّ الكتاب
التعطش للفرح
حوار من عالم آخر مع احد الناجين من "فيروس كورونا"
EN