Logo

بمختلف الألوان
المرشد التربوي: هو الشخص الذي يؤدي دور الارشاد للأفراد والجماعات التعليمية, وينظم ويحلل المعلومات حول الطلاب من واقع السجلات والاختبارات والمقابلات, الى جانب المصادر الموثوقة, وذلك لتقييم ميولهم واتجاهاتهم وقدراتهم وخصائصهم الشخصية؛ للمساعدة في التخطيط التعليمي والمهني, ويدرس المعلومات المهنية... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الدول الوظيفية...الثروة والقرار في صناعة الخراب الإقليمي

منذ 54 دقيقة
في 2026/09/20م
عدد المشاهدات :15
الدول الوظيفية...الثروة والقرار في صناعة الخراب الإقليمي
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
20/09/2026
لم يكن عام 1979 عامًا عاديًا في تاريخ الشرق الأوسط، ليس لأن الثورة الإسلامية في إيران غيّرت نظام الحكم في دولة إقليمية مهمة فحسب، وإنما لأنها أسقطت أحد أهم أعمدة النفوذ الغربي في المنطقة، ووضعت واشنطن وحلفاءها أمام واقع إقليمي جديد. ومنذ ذلك الوقت تقدمت رواية "تصدير الثورة الإيرانية" بوصفها خطرًا يهدد أنظمة الخليج والمنطقة العربية، أو، في قراءة أخرى، بوصفها ذريعة استُخدمت لإعادة ترتيب المنطقة وخدمة مصالح القوى الغربية وإسرائيل فيها. ولا يعني ذلك إنكار وجود خطاب إيراني ثوري ضد إسرائيل والولايات المتحدة، ولا تجاهل المخاوف التي أثارتها الثورة لدى الدول الغربية ودول الخليج، لكن اختزال التحولات التي شهدتها المنطقة بعد عام 1979 في الخوف من إيران وحده يغفل سياقًا أوسع يتعلق بإعادة ترتيب النفوذ الغربي، وترسيخ منظومة أمنية أصبحت الولايات المتحدة صاحبة الدور الأوسع فيها.
ومن داخل هذا السياق يمكن فهم ما أسميه هنا "محور الشر الخليجي"، لا باعتباره حلفًا معلنًا أو منظمة ذات قيادة مشتركة، وإنما باعتباره منظومة من الدول والأدوار والوظائف التي أصبحت جزءًا من إدارة الصراعات وإعادة تشكيل المنطقة. والمقصود بالمحور ليس شعوب الخليج، ولا الخليج بوصفه منطقة جغرافية، وإنما مجموعة من الأنظمة التي يمكن النظر إليها، في سياق تاريخي وسياسي أوسع، بوصفها دولًا وظيفية.
والدولة الوظيفية ليست دولة بلا شعب أو بلا سيادة قانونية، وإنما دولة تصبح وظيفتها الإقليمية جزءًا من منظومة نفوذ تتجاوز حدودها، فتتحول إمكاناتها السياسية والمالية والعسكرية والإعلامية إلى أدوات لأداء أدوار داخل مشروع إقليمي ودولي أكبر منها. وقد تمتلك هذه الدولة هامشًا في إدارة شؤونها الداخلية، وتختلف مصالحها وتتنافس مع دول وظيفية أخرى، لكنها لا تكون بالضرورة صاحبة القرار الاستراتيجي في القضايا الكبرى، ولا سيما في الملفات العسكرية والأمنية التي تتصل بموازين القوى الإقليمية. وهنا تصبح القواعد والموانئ والثروة والسلاح والإعلام والعلاقات السياسية والقدرة على تمويل القوى المحلية أدوات وظيفة، أكثر منها أدوات مشروع إقليمي مستقل.
وقد نشأت دول الخليج الحديثة داخل ترتيبات نفوذ بريطانية امتدت لعقود، وربطت حكامها بمعاهدات حماية وعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية جعلت للنفوذ البريطاني موقعًا أساسيًا في المنطقة. وعندما انسحبت بريطانيا عسكريًا من الخليج عام 1971، لم تنته أهمية المنطقة بالنسبة إلى القوى الكبرى، بل انتقلت تدريجيًا إلى إطار أمني وسياسي أصبحت الولايات المتحدة صاحبة الدور الأبرز فيه. ثم جاءت الثروة النفطية لتمنح بعض هذه الدول قدرة استثنائية على أداء أدوار تتجاوز حدودها الجغرافية.
وهنا أصبح المال أحد أهم أدوات الوظيفة. فالثروة النفطية لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت مصدرًا لشراء السلاح، وتمويل المؤسسات الإعلامية، وبناء شبكات النفوذ، ودعم أطراف سياسية ومسلحة، وإقامة علاقات أمنية وعسكرية واسعة مع القوى الكبرى. وهكذا أصبح المال قادرًا على أداء وظيفة كانت تحتاج في الماضي إلى جيوش كبيرة؛ فبدل أن تدخل الدولة الحرب بجيشها، تستطيع أن تمول من يخوضها، أو توفر له السلاح، أو تفتح له قنوات الدعم، أو تمنح القوى الكبرى التسهيلات التي تحتاج إليها. وفي الوقت نفسه تحولت مشتريات السلاح الهائلة إلى حلقة تربط جزءًا من الثروة النفطية الخليجية بصناعة السلاح الغربية، بحيث يعود قسم من عائدات النفط إلى الاقتصادات المنتجة للسلاح عبر صفقات بمليارات الدولارات.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لـ«محور الشر الخليجي»: ليس باعتباره قوة عسكرية موحدة تتحرك تحت علم واحد، وإنما باعتباره منظومة أدوار تتعدد أدواتها وتختلف ساحاتها، بينما تتكرر في عدد من الحالات نتيجة واحدة: إضعاف الدولة المركزية، وتوسيع مساحة الصراع الداخلي، وفتح المجال أمام مزيد من النفوذ الخارجي.
في العراق ظهرت هذه الوظيفة في واحدة من أخطر عمليات إعادة تشكيل دولة عربية في العصر الحديث. فعندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، لم يكن الاحتلال عملية عسكرية منفصلة عن البيئة الخليجية؛ فقد سبقته علاقات عسكرية واسعة، وتسهيلات وقواعد وحقوق عبور وتحليق واستخدام للمنشآت والموانئ والمطارات في المنطقة. وكانت هذه البيئة جزءًا من البنية التي أتاحت للقوات الأمريكية تنفيذ عملياتها العسكرية وإدامة وجودها الإقليمي. وانتهى الغزو بسقوط بغداد في التاسع من نيسان/أبريل 2003، ثم بدأت مرحلة الاحتلال وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة العراقية.
لم تكن وظيفة الدول الخليجية في العراق أن تخوض الحرب بدل الولايات المتحدة، وإنما أن توفر جانبًا من البيئة اللوجستية والسياسية والأمنية التي تحتاج إليها القوة الأكبر. وبعد الاحتلال دخل العراق مرحلة مختلفة؛ تفككت مؤسسات، وانتشرت الجماعات المسلحة، وتداخلت التدخلات الإقليمية والدولية، وأصبح البلد ساحة مفتوحة أمام قوى متعددة. ولم يكن استهداف البنية العلمية والثقافية أقل خطورة من استهداف البنية السياسية والأمنية؛ فقد تعرض أكاديميون وأطباء وعلماء وباحثون للقتل والخطف والتهديد، وغادر كثير من الكفاءات البلاد.
وهكذا لم يكن الخطر في إسقاط نظام سياسي فحسب، وإنما في إضعاف الدولة نفسها، بحيث يصبح بلد يمتلك الثروة والموقع والقدرات البشرية عاجزًا عن تحويل هذه المقومات إلى قوة وطنية مستقلة. أما إبعاد العراق عن موقعه السابق بوصفه قوة إقليمية، فقد كان من النتائج التي استفادت منها قوى إقليمية ودولية متعددة، ومن بينها إسرائيل التي لم يكن من مصلحتها الاستراتيجية وجود دولة عربية كبيرة وقوية على جبهتها الإقليمية الأوسع.
وفي سورية أخذت الوظيفة شكلًا مختلفًا. فمنذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011 تحولت الأزمة إلى حرب متعددة الأطراف، ودخلت عليها قوى إقليمية ودولية بالمال والسلاح والتدريب والدعم السياسي. وكانت قطر والسعودية من أبرز الداعمين الإقليميين لقوى المعارضة خلال مراحل مختلفة، بينما تدخلت قوى دولية وإقليمية أخرى بأشكال ومستويات متباينة. ولم تكن سورية ساحة مواجهة ثنائية؛ فقد دخلتها روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة وقوى عربية وغير عربية، وتعددت مراكز القوة إلى درجة تحولت معها البلاد إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع الإقليمي والدولي تعقيدًا.
وهنا تظهر إحدى وظائف المال الخارجي: ليس فقط مساعدة طرف على القتال، وإنما منحه القدرة على مواصلة الصراع عندما تتعدد القوى المسلحة ومصادر الدعم. ولذلك لا يصح تحميل دول الخليج وحدها مسؤولية الحرب السورية؛ فالأزمة نتاج عوامل داخلية وإقليمية ودولية معقدة. لكن الدور الخليجي يكشف كيف تستطيع الدولة ذات الموارد المالية الكبيرة أن تصبح طرفًا مؤثرًا في مصير دولة أخرى من خلال التمويل والدعم السياسي والإعلامي.
وانتهت مرحلة الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ثم أُعلن أحمد الشرع رئيسًا للمرحلة الانتقالية في كانون الثاني/يناير 2025. وأعادت هذه التطورات تشكيل خريطة العلاقات مع سورية، وتبدلت مواقع القوى التي تعاملت مع الحرب طوال سنوات. وهذا التحول مهم لفهم الدولة الوظيفية؛ فالوظيفة لا ترتبط بالضرورة بشخص أو نظام، وإنما بالدور المطلوب في مرحلة معينة، ولذلك يمكن أن تتبدل التحالفات والأدوات والواجهات بينما تبقى منظومة النفوذ الأوسع قادرة على إعادة إنتاج أدوار جديدة.
وفي ليبيا ظهرت الوظيفة الخليجية بصورة أكثر مباشرة. فقد دخلت دول خليجية على خط الحرب التي انتهت بإسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، وكانت قطر من الدول المنخرطة في دعم المعارضة، كما تناولت تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة عمليات نقل معدات عسكرية ودورًا قطريًا في دعم القوى المناهضة للقذافي.
لم يكن مطلوبًا من الدولة الوظيفية أن تحتل ليبيا أو تدير الحرب وحدها؛ كان يكفي أن توفر المال والسلاح والدعم السياسي، بينما تقوم القوى الغربية بالعمليات الجوية الرئيسية، وتتولى القوى المحلية القتال على الأرض. لكن سقوط النظام لم تنتج عنه دولة مستقرة قادرة على احتكار السلاح وإعادة بناء مؤسساتها، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع.
ومنذ ذلك الحين أصبح السلاح المنتشر جزءًا من بنية الصراع الداخلي، وتعددت الحكومات والمؤسسات ومراكز القوة، ودخلت دول إقليمية ودولية في دعم أطراف ليبية متنافسة، وأصبح النفط والموانئ والمؤسسات المالية نفسها جزءًا من الصراع على الدولة. وهكذا لم يكن إسقاط النظام نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة أصبح فيها ضعف الدولة مدخلًا دائمًا للتدخل الخارجي.
أما السودان، فقد أخذت الوظيفة شكلًا مختلفًا، لأن الدولة السودانية كانت تعاني أصلًا من هشاشة سياسية واقتصادية، ثم تحولت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ عام 2023 إلى صراع مفتوح تتداخل فيه شبكات السلاح والتمويل والدعم الخارجي. وقد وجهت الحكومة السودانية اتهامات متكررة إلى الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، فيما نفت أبوظبي هذه الاتهامات، وبقي الملف موضع سجال سياسي ودبلوماسي وأممي.
والأهم في الحالة السودانية أن الموارد الخارجية دخلت إلى دولة تعاني أصلًا ضعف مؤسساتها وصراعًا على السلطة، فأصبح الدعم الخارجي، أيًا كان مصدره والطرف المستفيد منه، قادرًا على إطالة عمر القوى المسلحة وزيادة استنزاف الدولة والمجتمع. وهنا لا تتمثل الوظيفة في إسقاط الدولة مباشرة من الخارج، وإنما في امتلاك أدوات تسمح بالتأثير في توازنات صراع داخلي، إلى الحد الذي تصبح معه قدرة الدولة على احتواء أطرافها المسلحة أكثر ضعفًا.
وفي اليمن ظهرت واحدة من أكثر صور هذه الوظيفة وضوحًا. فمنذ تدخل التحالف الذي قادته السعودية والإمارات عام 2015، لم تقتصر الحرب على العمليات الجوية والمواجهة العسكرية، بل رافقها حصار وقيود وضغوط على الموانئ والمطارات ومنافذ الحياة في بلد كان يعاني أصلًا الفقر والانقسام والانهيار المؤسسي. وكان الرهان على أن يؤدي التفوق الكبير في الطيران والسلاح والقدرات المالية إلى فرض نتيجة عسكرية تعيد رسم موازين القوى في اليمن. لكن الحرب امتدت سنوات وتحولت إلى أزمة إنسانية وسياسية وأمنية معقدة.
والمفارقة أن الطرف الذي دخل الحرب وهو يمتلك تفوقًا ساحقًا في الجو والسلاح وجد نفسه بعد سنوات أمام خصم طور قدراته الصاروخية والطائرات المسيّرة، ونقل المواجهة إلى العمق السعودي، وحول الجغرافيا اليمنية، ولا سيما الساحل الغربي وباب المندب، إلى مصدر قوة استراتيجية.
وقد أعادت التطورات الأخيرة رسم المشهد بصورة أكثر دراماتيكية؛ فتقدم الحوثيون على ساحل البحر الأحمر وسيطروا على مواقع استراتيجية، ووصلوا إلى مناطق وجزر مرتبطة مباشرة بباب المندب، بالتزامن مع تصاعد الهجمات على مدن ومنشآت سعودية وتجدد العمليات العسكرية. وأصبحت السيطرة على هذه الجغرافيا تتجاوز الصراع اليمني الداخلي إلى أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.
وهنا تكمن مفارقة اليمن الكبرى: فالمال والسلاح يستطيعان بدء الحرب، لكنهما لا يضمنان نهايتها، والتفوق الجوي يستطيع تدمير أهداف، لكنه لا يستطيع وحده بناء دولة أو إنتاج تسوية سياسية. والحرب التي تبدأ في أرض الخصم قد تعود بعد سنوات لتجعل أرض من بدأها ومنشآته واقتصاده جزءًا من ميدانها. وهكذا تحول باب المندب من هامش في الحرب اليمنية إلى إحدى أهم أوراق الضغط في المنطقة.
أما غزة، فقد كشفت طبقة أخرى من المشهد. فالحرب لم تكشف فقط حجم القوة العسكرية الإسرائيلية، وإنما كشفت أيضًا عمق التحولات التي طرأت على العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية خلال السنوات الأخيرة. فقد انتقلت علاقات كانت سرية إلى علاقات معلنة، وتوسعت مجالات التعاون الأمني والاقتصادي والسياسي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في وقت بقيت فيه القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الوعي العربي.
ومن هنا لا ينبغي اختزال "محور الشر الخليجي" في كونه محورًا ضد إيران. فالمسألة، وفق القراءة التي يقدمها هذا المقال، أوسع من الصراع الخليجي ـ الإيراني؛ إنها تتعلق بنظام إقليمي تصبح فيه الدول العربية الضعيفة ساحات لصراعات الآخرين، وتتحول فيه الثروة العربية، التي كان يمكن أن تكون أساسًا لقوة اقتصادية وعلمية وعسكرية مستقلة، إلى إحدى الأدوات المستخدمة في إدارة تلك الصراعات.
وقد تعددت أدوات الوظيفة بين المال والسلاح والإعلام والقواعد والنفوذ السياسي ودعم القوى المحلية، وأحيانًا المقاتلين والمرتزقة. ولم تعمل الأداة نفسها في كل مكان؛ ففي العراق كانت التسهيلات العسكرية والبيئة الخليجية جزءًا من البنية التي خدمت الاحتلال الأمريكي، وفي ليبيا ظهر التمويل والتسليح الخارجيان بصورة مباشرة، وفي سورية أصبح المال والدعم السياسي جزءًا من حرب متعددة الأطراف، وفي السودان دخل النفوذ الخارجي إلى قلب صراع داخلي شديد الهشاشة، أما في اليمن فقد تحولت الحرب التي بدأت بتفوق عسكري هائل إلى استنزاف طويل انتهى إلى تغيير موازين القوة على الأرض.
وهذه الاختلافات لا تنفي وحدة الوظيفة، بل تكشف تعدد أدواتها واختلاف ساحاتها. فالدولة الوظيفية، في هذا السياق، لا تكون صاحبة القرار الإقليمي المستقل في القضايا الكبرى، وإنما تتحرك داخل منظومة نفوذ أكبر منها، وتؤدي أدوارًا تسمح بها أو تحدد سقوفها القوى التي تمتلك القدرة الفعلية على إدارة التوازنات الإقليمية. ويظهر ذلك بصورة أوضح في الملفات العسكرية والأمنية؛ إذ تتحول الإمكانات المالية والعسكرية والسياسية للدولة إلى أدوات تنفيذ داخل مشروع أوسع، حتى وإن احتفظت بهامش من المناورة أو اختلفت مع دول أخرى داخل المنظومة نفسها.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم التباينات بين السعودية والإمارات أو قطر، وغيرها، من دون اعتبارها نفيًا لمفهوم الدولة الوظيفية. فالاختلاف على الساحات أو النفوذ أو الأدوات لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع استراتيجي مستقل عن منظومة الحماية والنفوذ الأكبر. بل قد تتنافس الدول الوظيفية نفسها على مساحة الدور المسموح لها به، أو تختلف حول أدوات التنفيذ، من دون أن تمتلك وحدها القدرة على تحديد قواعد النظام الإقليمي أو خوض حروبه الكبرى خارج المظلة التي تحكمه.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الثروة الخليجية. فالأموال التي كان يمكن أن تتحول إلى جامعات ومراكز أبحاث وصناعات واقتصادات عربية مترابطة وقوة بشرية وعلمية مشتركة، ذهب جانب كبير منها إلى الإنفاق العسكري وشبكات النفوذ والصراعات خارج الحدود. وأصبح المال، بدل أن يكون أساسًا لبناء قوة عربية جماعية، عنصرًا في موازين قوة منفصلة، يمكن أن يستخدم بعضها ضد دول عربية أخرى.
وفي هذه النقطة تلتقي نتائج هذا المسار مع حقيقة استراتيجية لا تحتاج إلى افتراض وجود غرفة عمليات واحدة تدير كل التفاصيل: فإضعاف الدول العربية المركزية وتفتيت قدراتها يقللان، موضوعيًا، من احتمالات ظهور قوة عربية قادرة على موازنة إسرائيل إقليميًا. ومن ثم فإن السؤال ليس دائمًا: من أصدر الأمر؟ بل: من استفاد من النتيجة، وأي نظام إقليمي أنتجته؟ ففي السياسة قد تختلف الأدوات والنيات المباشرة، بينما تقود سلسلة الأفعال إلى بيئة استراتيجية يستفيد منها الطرف الأكثر قدرة على تحويل الضعف المحيط به إلى عنصر قوة.
وإذا جُمعت حالات العراق وسورية وليبيا والسودان واليمن، فإن ما يظهر ليس جيشًا خليجيًا موحدًا يتحرك بخطة عمليات واحدة، وإنما نمطًا متكررًا: دولة عربية تدخل أزمة، ثم تتدفق إليها الأموال والأسلحة والتدخلات والقوى المحلية والخارجية، فتضعف سلطة المركز، وتتعدد مراكز القوة، ويتحول الصراع الداخلي إلى ملف إقليمي ودولي. وهنا تكمن خطورة الوظيفة؛ فهي لا تحتاج دائمًا إلى احتلال مباشر، لأن الدولة يمكن أن تُستنزف من داخلها بأموال الآخرين وأسلحتهم وصراعاتهم.
لكن اليمن يقدم اليوم درسًا إضافيًا لا يمكن تجاهله. فالدولة الوظيفية قد تمتلك المال والسلاح والحماية الخارجية، لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على التحكم بالنتائج التي تطلقها. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن القوة التي كانت هدفًا لحملة عسكرية واسعة قبل أكثر من عقد أصبحت قادرة على التأثير في أمن السعودية نفسها وفي واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وهذا لا يعني أن موازين القوى حُسمت نهائيًا، لكنه يعني أن الوظيفة، مهما بلغت قوتها، ليست ضمانة للسيطرة على التاريخ ولا على النتائج البعيدة للحروب.
وتكشف تجربة "محور الشر الخليجي"، في جوهرها، مشكلة أعمق من أسماء الدول والحكام والتحالفات المتغيرة: إنها مشكلة العلاقة بين الثروة والقرار. فالثروة الهائلة لا تصنع سيادة إذا كان القرار الاستراتيجي مرهونًا بمنظومة حماية خارجية، والسلاح المتطور لا يصنع استقلالًا إذا كان مصدره وذخيرته وصيانته وغطاؤه السياسي مرتبطًا بالقوة التي تحدد سقف استخدامه. عندئذ تصبح الدولة غنية، لكنها ليست بالضرورة صاحبة مشروع؛ قوية في أدواتها، محدودة في قرارها؛ قادرة على التأثير في الآخرين، لكنها غير قادرة دائمًا على تحديد النهاية التي يقود إليها هذا التأثير.
والعراق ليس بحاجة إلى أن يكون جزءًا من محور خليجي أو إيراني أو أمريكي كي يكون دولة، وسورية ليست بحاجة إلى أن تكون ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى، وليبيا والسودان واليمن ليست أوراقًا على طاولات الآخرين، وغزة ليست ملفًا في حسابات العواصم. هذه بلدان وشعوب، ومشكلتها ليست نقص المحاور، وإنما فائض المحاور ونقص الدولة القادرة على حماية قرارها.
ولهذا فإن السؤال الذي يبقى بعد كل ما جرى ليس: هل انتهى «محور الشر الخليجي» أو هل سيستمر؟ فالأسماء قد تتغير، والتحالفات قد تتبدل، والحكام يذهبون ويأتي غيرهم، والأدوار يمكن أن تنتقل من عاصمة إلى أخرى. السؤال الأعمق هو: من يملك القرار، ومن يرسم حدود الدور، ومن يدفع ثمنه؟
وحين تكون الثروة عربية، والأرض التي تدمر عربية، والضحايا عربًا، والسلاح ممولًا بأموال عربية، بينما يبقى القرار الاستراتيجي الأكبر خارج قدرة العرب على التحكم به، نكون أمام المفارقة التي تختصر معنى الدولة الوظيفية كله: أن تمتلك أدوات القوة، لكن تكون وظيفة هذه الأدوات في مشروع غير مشروعك؛ وأن تدفع ثمن الدور من ثروتك، ثم تدفع المنطقة ثمن نتائجه من دولها وشعوبها ومستقبلها.
حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر،... المزيد
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ... المزيد
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ... المزيد
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام... المزيد
تشير كتابات ومقالات الدكتور فاضل حسن شريف (التي تناول فيها الألفاظ القرآنية والفروق اللغوية...
في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"، غرسنا معاً...
تطرق الدكتور فاضل حسن شريف في مقالاته ودراساته القرآنية ولغويات المعاجم إلى التمييز بين...
ثمة تواريخُ لا تكتفي بالمرور في تقويم العمر، بل تعسكر في الذاكرة كجيشٍ مدججٍ بالغياب. يوم...


منذ 3 ايام
2026/09/17
منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، كان القمر أكثر الأجرام السماوية حضورًا في...
منذ 5 ايام
2026/09/15
تتعرض التربة خلال فترات تغير درجات الحرارة إلى فقدان كميات كبيرة من الماء بسبب...
منذ 6 ايام
2026/09/14
عندما ننظر إلى قطعة من الحديد، تبدو لنا كتلة صلبة ساكنة لا يتغير فيها شيء. لكن على...