ارتبط العراق من الناحية الجيولوجيّة بالكتلتين العربيّة والإيرانية الواقعة بين منطقة جبال زاجروس ( Zagros Mountains The) وطوروس (The Taurus Mountains) ، ولا زال يُشكّل هذا الموقع أهمية في النواحي السياسية والجيولوجية والبشرية، فيُلاحظ أن حدوده الطبيعية مفتوحةً أمام معظم المناطق والدول المجاورة خلال مراحل الحرب والسلم وعِبر كلّ حقب التاريخ بما فيها خضوعه للنفوذ والسيطرة العثمانية ولأكثر من أربعة قرون مضت، فقد ارتبط بالدولة العثمانية (The Ottoman Empire ) في ظروف قوتها وضعفها، ولذلك أضحت مميزات موقعه الجغرافي وموارده وإمكانياته محط أنظار القوى الدولية الكبرى (بريطانيا، فرنسا، روسيا، ألمانيا)، فضلا عن ذلك الاستحواذ على خيراته، وفي مقدمتها إمكانية وجود النفط في العراق بعد اكتشافه في إيران، إضافةً إلى استغلال شبكة المواصلات، ولهذا تغلغلت الشركات التجارية في ولايات العراق الثلاث. كتب بعض الرحالة الأجانب مؤلفات وثقت الجوانب الحياتية والجغرافية والدينية والاجتماعية في العراق، ومنها رحلة المقيم البريطاني في بغداد كلوديس جيمس ریج (1) (James Rich Claudius) وما بعدها في الموصل عام 1820م، كما تعرف الرحالة والسياسيون البريطانيون على مكوّنات المجتمع العراقي من المسلمين واليهود والمسيحيين والقوميات المتعدّدة كالعرب والكرد والتركمان تجمعهم روح التعايش السلمي، فحاولوا خرقها بكل وسائلهم والطرق المتاحة لهم، ومنها توثيق العلاقات مع العشائر العراقية العربية والكردية في محاولة إضعافها وتحديد صلتها بالدولة العثمانية، ولم يكتفوا بذلك بل عملوا على تشجيع القوميات والطوائف على إقامة دول مستقلة بذاتها، تدعمها بكل الإمكانيات المادية والمعنوية، ولا شك في أنَّ تلك السياسة حققت بعض خطوات النجاح عن طريق استمالتها بعض مَنْ وعدتهم بالاستقلال عن الدولة العثمانية، من دون أن تُظهر لهم حقيقة ما دار في كواليس الغرف المغلقة بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية من تقسيم الدول العثمانية والولايات التابعة لها، ومنها العراق ليكون في إطار مطامع بريطانيا بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916م.
ولكن السؤال هل كان الهدف من التقارب بين الجانبين ورفع راية الدفاع عن حقوق الأقليات هدفه صيانة حقوقهم، أو الهدف منه خلق مكونات مجتمعية منقسمة قد تفجر أزمة داخليّةً في أي وقت؟
إنَّ حقيقة فهم فحوى سياسات الدول الكبرى في المشرق العربي يلزم العودة إلى سياساتها أواخر القرن التاسع عشر وبيان الدوافع السياسية والاقتصادية والعسكرية والدينية، ومنها الأطماع الأوربية الممثلة ببريطانيا وفرنسا، وقد ساعدتها عوامل فرضت هيمنتها على المنطقة ومنها الأقليات القومية والدينية في الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية التي ازدادت ضعفًا وتفككا (2).
لا شك في أنَّ عوامل الضعف التي شهدتها الدولة العثمانية كانت قد أسهمت في تسهيل مهمة القناصل ووكلاء الدول الأوروبية وزادت من تدخلهم في الشؤون الداخلية للدولة (3)، فقد كان النشاط البريطاني على أشده في العراق (4)، كما كان للبعثات التبشيرية دور مهم في بثَّ المفاهيم الأوروبية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ومنها تأسيس المدارس، كمدارس (الاليانس) اليهودية التي تأسست في مدن العراق وفي الموصل والكاظمية والحلة والعمارة تحت إشراف الدكتور دبليو أي. ويكرام (5) Wikram. E. W.، إذ نشطت في شمالي العراق وجنوبه وأسست لها مدرسة في العماديّة، كما أنَّ دعم القنصل الفرنسي للإرساليات الدينية الكاثوليكية كان على أشدّه، وفي الوقت نفسه تأسست مدرسة ألمانية لأول مرة في الموصل عام 1909م ولكنها لم تستمر طويلًا، وبعدها کثر تردد البعثات الألمانية للتنقيب عن الآثار العراقية (6).
لم يقتصر النشاط التبشيري على البعثات التبشيرية البريطانية والفرنسية، بل تعدى الأمر إلى البعثات التبشيرية الأميركية هذه المرة التي بدأت مع كونها لم تشترك بأي نشاط في ذلك الصراع، إلَّا أنّها خاضت صراعًا من أجل الحصول على الأسواق لتصريف منتجاتها الصناعية والاشتراك في التجارة العالمية، وكشفت الوثائق الأميركية بدورها وبشكل واضح عن نشاطات المبشّرين التجسّسية في تزويد حكوماتهم بمعلومات تفصيلية عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأخذت البعثات التبشيرية الأميركية البروتستانتية بالتزايد في العراق، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان مدعومًا من قبل بريطانيا المساندة للبروتستانتية تجاه الكاثوليكية الفرنسية، وبسبب ـ الظروف المساعدة تتابع قدوم المبشرين الأميركان من أمثال بركنز (Perkins) وفورد ( Ford) إلى العراق، وكانوا يقدمون لهم الخدمات الطبية والتعليمية الى السكان (7).
سجّلت وقائع الحرب العالمية الأولى المحك الذي ركزت بريطانيا نفسها في مصر ثم لتحدد نقاط بقائها في العراق بوصفه موقعًا وسطا بين مصر والهند، وهكذا تجسَّدت المواقف البريطانية بناءً على إستراتيجية واضحة بدفع من الرأسمال البريطاني التجاري في محاولة لإيجاد أسواق وموارد أولية قد تصاعد مع أهمية المنطقة من الناحيتين الدفاعية والإستراتيجية (8).
.......................................................
1. كلوديوس جيمس ريج (1787-1821م): هو مُستشرق وعالم آثار إنكليزي، شَغَل منصب المقيم البريطاني في العراق خلال الفترة (1808 - 1821م)، وكان مندوبا عن شركة الهند الشرقية البريطانية، توفي عام 1821م بمدينة شيراز بعد إصابته بوباء الكوليرا. للمزيد، يُنظر: الطعمة، باسم حطاب، تغلغل النفوذ البريطاني في العراق (1798 -1831م)، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد،1985 م، ص 85
2. علي محافظة موقف الدول الكبرى من الوحدة العربية، ص 13-14.
3. علي ناصر حسين الإدارة البريطانية في العراق (1914 - 1921م)، ص 15 - 16.
4. إيناس سعدي عبد الله، تاريخ العراق الحديث (1258 - 1918م)، ص 405.
5. هو: لاهوتي أسكتلندي، مثقف وأديب وسياسي، قدم في زيارة مكث فيها زهاء عشر سنوات في شرق كردستان مبعوثًا دينيًا من لدن رئيس أساقفة كانتربري لاستصلاح أحوال الآثوريين الدينية في موطنهم بكردستان، له مؤلف بعنوان: (مهد البشرية)، يتناول فيه أوضاع مسيحيي العراق. للمزيد، يُنظر الموقع الإلكتروني:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=761586.0
6. قزانجي، فؤاد، العراق في الوثائق البريطانية (1905 - 1930م)، ص 60.
7. سعاد رؤوف شير محمد، التغلغل الأميركي في العراق (1921-1939م)، ص 36-38.
8. العُمر، فاروق صالح، العلاقات العراقية - البريطانية (1922 - 1948م)، ص 6.