إذا كانت نظرية الأوتار الفائقة صحيحة، فإن المكونات الأساسية للمادة ليست إذن جسيمات من نقط. وعلى العكس فإن لها حجماً صغيراً ولكنه غير محدد. وهذه الحقيقة قد خلقت الأمل في أن تلك اللامتناهيات التي تصيب نظريات مجال الكم بالاعتلال ربما تكون غير موجودة في نظرية الأوتار الفائقة، وربما يصبح من غير المطلوب هنا استخدام إجراء إعادة التطبيع، ذلك الإجراء المشكوك فيه رياضياً. ولسوء الحظ، فإنه ما من أحد يعرف ما إذا كانت نظريات الأوتار الفائقة تحوي لا متناهيات أم لا. فهذه النظرية التي تأسست على فروض بسيطة - ومن المؤكد أن فكرة أن الجسيمات هي أساساً أوتار تتذبذب هي فكرة بسيطة - يمكن أن تصبح عند تفسيرها بالتفصيل نظرية معقدة تماماً من الوجهة الرياضية. ونظريات الأوتار الفائقة هي حقاً معقدة، ويبلغ من كثرة تعقيدها أنه لم يعثر على حلول مضبوطة للمعادلات الرياضية المصاحبة لها. كما أن علماء الفيزياء النظرية لا يعللون أنفسهم بأي أمل في أن يتم الحصول على حلول مضبوطة في المستقبل المنظور.

التفاعل بين إلكترونين. ومن الممكن طبيعياً حدوث تفاعلات أكثر تعقداً. وهاهنا، يتفاعل إلكترونان أحدهما مع الآخر أثناء تحركهما خلال الفضاء. وتندمج حلقتان من الأوتار لفترة وجيزة، ثم تنفصلان مرة أخرى.
وإذن، أصبح من الواجب على من يعملون بنظرية الأوتار الفائقة أن يعتمدوا على إجراء رياضي هو سلسلة من التقريبات المعروفة بنظرية الاضطراب. وعندما نستخدم نظرية الاضطراب، فإننا نسير خطوة فخطوة، فنصنع أول درجة من التقريب، ثم ثاني درجة من التقريب، ثم إذا كانت المعادلات لم تصبح بعد أعقد من أن يتناولها التقريب يُعمل تقريب ثالث، وهلم جراً. وحتى الآن فإن الحلول التقريبية التي تم الحصول عليها في نظرية الأوتار الفائقة لا تحوي أي لانهائيات، ولكن هذا لا يترتب عليه بالضرورة أن اللانهائيات ستظل غائبة عند الدرجات الأعلى من التقريب، وعدد هذه الدرجات الأعلى لا نهاية له. ونحن في نظرية الاضطراب نقترب من الحل المضبوط أكثر وأكثر عند كل خطوة. ولكننا لا نصل قط تماماً إلى هذا الحل المضبوط. وللحصول على حل مضبوط، يتطلب الأمر عدداً لانهائياً من الخطوات.

نجد هنا نفس العملية المبينة في شكل سابق وقد تم تصويرها في رسم فينمان البياني التقليدي. فإذا اعتبرنا الإلكترونات جسيمات من نقط بدلاً من أن تكون حلقات من الأوتار فإنها لا تندمج مطلقاً فسيكون ذلك مستحيلاً، وإنما هي ببساطة تتبادل أحد الفوتونات. ولا يعرف أحد بعد أي صورة هي الأقرب للصحة؛ ونظرية الأوتار الفائقة مازالت نظرية تخمين بالغ.
ومع كل، فإن حقيقة عدم ظهور لامتناهيات حتى الآن هي مما يعد أمراً واعداً. والموقف يختلف عما نلاقيه في النظريات الأخرى، حيث يمكن في التو أن تطلع لنا اللامتناهيات. ومع ذلك، ينبغي ألا نستنتج أن عدم وجود هذه المشكلة بالذات يجعل لنظرية الأوتار الفائقة نجاحاً غير محدود. فنظرية الأوتار الفائقة لها مشاكلها الخاصة، والتي يبدو أن بعضها مشاكل هائلة قد تستغرق أجيالاً. حتى يتم العثور على سبيل لمعالجتها، هذا إذا ثبت حقاً في النهاية أن من الممكن معالجتها على الإطلاق.
وأول كل شيء، أن هناك عدداً من النظريات المختلفة للأوتار الفائقة، كما أنه يمكن جداً اكتشاف نظريات أخرى مستقبلاً. ورغم أن بعض النظريات تبدو واعدة أكثر من غيرها، إلا أن أحداً لا يعرف أيها الأكثر احتمالاً لأن تكون صحيحة. والحقيقة، أن عدد نظريات الأوتار الفائقة يمكن أن يكون أياً ما بين ست نظريات وعدة آلاف منها، وذلك حسب الطريقة التي نعد بها هذه النظريات. وقد تم اكتشاف ست نظریات متماسكة ذات عشرة أبعاد، ولكن كل نظرية من هذه النظريات الست يمكن أن تتخذ أشكالاً عديدة مختلفة وذلك حسب الطريقة التي يتم بها دمج المقاييس الستة الإضافية.
ولو كان هناك بعد واحد إضافي فحسب، فلن تكون هناك مشكلة. فهذا البعد لا يمكن أن يلتف على نفسه إلا بطريقة واحدة. ومن الناحية الأخرى، فإنه مع أبعاد.. تصبح الإمكانات متعددة، فالأبعاد الستة المدموجة يمكن أن يلتف أحدها من داخل الآخر ومن حوله بأشكال عديدة مختلفة. والفيزيائيون ليس لديهم أي فكرة عمن مِن هذه الهندسات الكثيرة المختلفة الناتجة عن ذلك هي ما يقابل الهندسة التي يحتمل في الغالب أن نلاقيها في العالم الفيزيقي الحقيقي.
وفيما يتعلق بذلك، فإن العلماء لا يفهمون السبب في أنه ينبغي أن تندمج ستة أبعاد بينما الأبعاد الأربعة الأخرى ليست كذلك. وفيما يعرض، فإن المشكلة ليست مشكلة فهم سبب لف الأبعاد الستة؛ وإنما هي على العكس من ذلك مشكلة فهم السبب في أن أبعادنا الأربعة ليست مدموجة أيضاً. وهذا ليس إلا مجرد البداية. فنظريات الأوتار الفائقة، مثلها مثل كل النظريات الأخرى في الفيزياء، تتم صياغتها في المكان والزمان والمكان والزمان هما رغم كل شيء المكونان الأساسيان لعالمنا، أو أنهما على الأقل ظلا يبدوان هكذا دائماً. وليس من أحد يعرف كيف يمكن إيجاد نظرية لا تعتمد عليهما.
على أن هناك الكثيرين من علماء الفيزياء النظرية ممن يشكون شكاً مزعجاً بأنه سيثبت في النهاية مع نظرية الأوتار الفائقة أن هذا النهج التقليدي خطأ. فهم يظنون أن المكان والزمان هما بمعنى ما قد بنيا من الأوتار الفائقة نفسها. وهم حالياً لا يعرفون كيف يعالجون هذه المشكلة. وعلى كل فإن بعض العلماء يظنون أن نظرية الأوتار الفائقة ستؤدي في النهاية إلى تغيير أفكارنا عما يكونه المكان والزمان.
وأخيراً، فإن نظرية الأوتار الفائقة لها أيضاً مشاكل ذات طبيعة أكثر دنيوية. وهي مشاكل مشابهة لتلك التي لاقيناها من قبل عند مناقشة النظريات الأخرى. ولما كانت نظرية الأوتار الفائقة جد معقولة رياضياً، فإن الفيزيائيين أمكنهم فحسب أن يستقوا منها تنبؤات قليلة محدودة. وهذه التنبؤات القليلة التي تم الحصول عليها تتناقض وما يلاحظ من الحقائق.
والأوتار الفائقة يتم تصورها على أنها أجرام تتذبذب في عشرة أبعاد. ومستويات الذبذبات المختلفة تقابل ما يلاحظ من الجسيمات المختلفة. وعلى وجه التحديد، فإن الذبذبات التي لها أقل طاقة تقابل الجسيمات التي لها كتلة من صفر. ومستويات الطاقة التي تلي ذلك انخفاضاً ينتج عنها جسيمـات كتلتها حوالي 1910 جي ف، وهذه أكبر من كتلة البروتون بما يقرب من 1910 مثل، وهذه أقل شيئاً من جي ف واحد ـ و 1910 جي ف هي تقريباً كتلة جسيم من التراب.
ومن الواضح أن هذه النتيجة لا تثبتها التجربة. وهناك جسيمات قليلة لها كتلة من الصفر مثل الفوتونات والجلونات أيضاً فيما يحتمل هي وجسيمات النيوترينو، ولكن الجسيمات الأخرى ليست كذلك. والجسيمات التي لها كتلة بالفعل لا يمكن أن تقابل الجسيمات التي تتنبأ بها النظرية والتي لها كتلة من 1910 جي ف. فهذا القدر أكبر مما ينبغي بعدة أضعاف.
ولكن ذلك لا يثني منظري نظريات الأوتار الفائقة عن طريقهم. وهم يشيرون إلى أنه مع زيادة تنامي نظرية الأوتار الفائقة لن يكون من غير المعقول توقع أن النظرية سوف تنتج تصويبات صغيرة ستعطي في النهاية الكتل الصحيحة. كما أن هؤلاء المنظرين ليسوا منزعجين من حقيقة أنه لم تتم قط رؤية جسيمات أولية كتلتها 1910 جي ف. وعلى كل فكما أن معجلات الجسيمات الموجودة حالياً لا تستطيع إنتاج جسيمات كبيرة هكذا فإنها بمثل ذلك لا يمكن استخدامها في سبر بنية المادة على أبعاد من 33-10 سنتيمتر.
ومن الناحية الأخرى، فإن حقيقة أن نظرية الأوتار الفائقة ينتج عنها تنبؤات مثل هذه، ليس فيها ما يؤدي إلى أي وضع مثالي ولو كانت نظرية الأوتار الفائقة صحيحة، ولو ثبت في النهاية أن المدى الطبيعي لكتلة الجسيمات الأولية هو لمضاعفات لمقدار 1910 جي ف فسيكون علينا أن نستنتج أن كل عالمنا الماكروسكوبي، الذي بني من بروتونات ونيوترونات وزنها أقل شيئاً من جي ف واحد، ومن إلكترونات هي حتى أخف وزناً من ذلك، هذا العالم الماكروسكوبي هو نتيجة تصويبات فائقة الدقة في نظرية ذات عشرة أبعاد.