هناك مثل جيد لهذا النوع من النظر بالتخمين وهو الفرض الذي طرحه الفيزيائي الأمريكي جيرالد فاينبرج بأنه قد تكون ثمة جسيمات موجودة تستطيع التنقل بسرعة أكبر من سرعة الضوء.
وحسب نظرية النسبية الخاصة لأينشتين، فإن الجسم الذي لا تكون كتلته صفراً لا يمكن أن تعجل سرعته إلى سرعة الضوء. وتقول النظرية إن كتلة أي جسيم أو جرم مادي لا بد أن تزيد عندما تعجل سرعته إلى معدلات عالية. وكلما أصبح الجسيم أثقل، زادت صعوبة تعجيل سرعته، ذلك أنه سيكون له قصور ذاتي أكبر. وسوف يتطلب الأمر قدراً أكبر لبلوغ كل زيادة متتالية في السرعة، وسوف يتطلب الأمر قدراً لا متناهياً من الطاقة للوصول إلى سرعة الضوء.
وفاينبرج كان بالطبع يدرك تماماً هذا الجانب من نظرية آينشتين. وهو على كل لا يطرح أنه يمكن تعجيل سرعة أي شيء (عبر) حاجز الضوء. وإنما هو ببساطة يلحظ أن وجود جسيمات أسرع من الضوء، مما سماها التـاكـيـونات، لن يكون متناقضاً مع نظرية آينشتين عندما نفترض أنها تلاقي نفس هذا الحاجز ولكن من الجانب الآخر. وبكلمات أخرى، فإن التاكيونات هي مما يمكن تصور وجوده، إذا كانت تحتفظ دائماً بسرعة أكبر من سرعة الضوء.
وقد أثارت فكرة التاكيونات في أول الأمر قدراً من الاهتمام النظري، وجرت محاولات الكشف عنها تجريبياً (التاكيون) يمكن التعرف عليه من حقيقة أنه ينتقل وراء في الزمان، على أن الاهتمام بها ما لبث أن ذوى. وإذا حدث اليوم أن تنبأت نظرية بوجود التاكيونات (كما تفعل ذلك مثلاً بعض نظريات الأوتار الفائقة) فإن هذا يعد عيباً خطيراً.
وهكذا فإن فكرة أنه ربما توجد جسيمات أسرع من الضوء قد أثارت الاهتمام بها في أول الأمر. ثم تم اختبارها فنبذت أخيراً، ولكنها لم تنبذ بسبب العثور على أي أخطاء في منطق فاينبرج، أو لأن التجربة قد أثبتت أن التاكيونات غير موجودة. والحقيقة أن إثبات عدم وجود شيء ما تجريبياً هو أمر مستحيل. على أن السبب في توقف اهتمام العلماء بالتاكيونات هو أ أن افتراض وجودها ليس له فيما يبدو أي نتائج مهمة لا تجريبياً ولا نظرياً. ولم تتم ملاحظة أي ظواهر يمكن إرجاعها إلى وجود التاكيونات وليس هناك أي أفكار نظرية واعدة تتطلب وجود التاكيونات فيما لو بدا أنها معقولة.
وبكلمات أخرى، فإن فكرة التاكيونات قد وصلت ببساطة إلى أن تبدو غير ذات موضوع أو لعلها أسوأ من أن تكون غير ذات موضوع، ذلك أن هذا الفرض ليس فحسب فرضاً لا يحل أي مشاكل نظرية بارزة، وإنما هو أيضاً يخلق مشاكل جديدة. ولو ثبت في النهاية أن التاكيونات حقيقية، لأصبح على العلماء أن يبحثوا أمر جسيمات تتحرك وراء الزمان، وأن يفسروا كيف يمكن أن يتأثر الماضي بالمستقبل. ومن المؤكد أن النسبية تقول إن الجسيمات الأسرع من الضوء سوف تبدو لبعض المراقبين فحسب على أنها تتحرك وراء خلال الزمان، على أنه لو أتيح عند ذاك، حتى ولو لبعض المراقبين، رؤية لمحة من المستقبل فإن هذا يكون أمراً سيئاً غاية السوء.
على أنه ينبغي ألا نستنتج أن فرض فاينبرج هو فرض سخيف ـ فهو قد يكون أي شيء إلا ذلك. ولو لم يتم استكشاف الفكرة، لما عرف أحد عند الالتقاء بها في نظريات الأوتار الفائقة إن كانت فكرة معقولة أو غير معقولة، ولما أصبح معنى حاجز الضوء في النسبية مفهوماً فهماً جيداً هكذا. وبالإضافة، فإن هناك أفكاراً أخرى تعادل ذلك في غرابتها، ثم ثبت في النهاية إما أنها حقيقة، أو أنها واعدة جداً. و .. ولو توقف العلماء عن النظر في الأفكار التي تبدو غريبة، لأبطأ معدل البحث في فيزياء الجسيمات والكونيات منذ زمن طويل ليصل إلى أن يزحف زحـفـاً.