على البشر أن يبذلوا كل ما بوسعهم امتثالاً لأمر الله في إعمار الأرض ليتحقق هذا الأمر الإلهي {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].
وعلى هذا فمن كان بوسعه الإعمار عبر الزراعة وتربية الحيوانات والصناعة والمهنة وغيرها من المشاغل المفيدة ولكنه يتقاعس عن العمل ولا يتصدى لاستخراج المواد الأولية من الطبيعة ووضعها بـيـن يـدي الـناس سـواء لكونه ثرياً ويرى نفسه غنياً عن العمل أو طلباً للراحة، فهو تارك لأمر القرآن بل معرض عن كلام أنبياء الله بأجمعهم.
لأن الأنبياء قد اصطفاهم الله وخُلقوا من مصدر غيبي واحد وكلامهم متحد ومتناسق. فكل نبي يدعو الناس إلى الإيمان بالمبدأ وإلى المعاد والوحي والملائكة والطريق الصحيح في الحياة و.... علماً بأن درجاتهم متفاوتة ومن هنا تكون معطياتهم في فروع الفقه والحقوق مختلفة أيضاً، إلا أن الخطوط العامة للأنبياء والرسل واحدة.
ثم إن لكل نبي شخصية حقيقية وشخصية حقوقية؛ فالشخصية الحقيقية وهي شخص النبي غير مشتركة، بيد أن شخصيتهم الحقوقية وهي رسالتهم وفحوى دعوتهم مشتركة بينهم بأجمعهم. كما قال الله سبحانه وتعالى للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: 43]. فإن النبي (صلى الله عليه وآله) وإن كان مهيمناً على سائر الأنبياء، إلا أن أساس المسألة وهي الهدف من الوحي والغرض من الرسالة فقد جاء بها كل من مضى من الأنبياء. ولذا قال النبي: {مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9]؛ فلا أن دعوة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وهدايتـه غـيـر مسبوقة بمثيل ولا ما لاقاه من إساءة واستهانة بديع وحديث الظهور وإن الأنبياء بأجمعهم قد بعثوا للدعوة إلى التوحيد في الذات وفـي العبادة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
فإن أفضل ما جاء به رسل الله هي كلمة ((لا إله إلا الله)) التي هي كلمة التوحيد الأصيل؛ ومن هنا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((ما قلت ولا قال القائلون قبلي مثل لا إله إلا الله))(1).
وعلى هذا الأساس فمن أنكر نبوة نبي وكذب بها فكأنمـا رفـض نبوة جميع الأنبياء. وعلى المؤمنين أن يقولوا: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ؛ أَي لا نفرق بينهم في أصل الرسالة ولزوم قبولها ومعنى ذلك أن قبول رسالة نبـي تستلزم قبول رسالة جميع الأنبياء وترك دعوة نبي وهدايته تستلزم ترك هداية جميع الأنبياء.
فقد قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} [الحجر: 80]، والحال أن أصحاب الحجر كان فيهم نبي واحد فقط ولم يقفوا إلا أمام هذا النبي. فهذه الآية تدل من جانب على أن كلام نبي أصحاب الحجر هو كلام جميع الأنبيـاء السابقين واللاحقين، ومن جانب آخر على أن دعوة كل نبي تستبطن فـــي الأغلب حركة الأنبياء السلف أو الخلف وتكذيب أي نبـي يـؤول إلى تكذيب كل الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كلام هذا النبي.
كما وقد عبر القرآن الكريم بهذا التعبير عن قوم ثمود وقوم لوط أيضاً حيث قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 141]، {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 160]، على الرغم من أن قوم لوط أو قوم ثمود لم يكن بين ظهرانيهم إلا نبي واحد. ومـن هنا حينما يقول النبي صالح: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] أَي طلب منكم إعمارها، يجب على كل من يؤمن بالله وأنبيائه إطاعته، ولذا فإن إعمار الأرض واجب على الجميع سواء الإعمار الظاهري وعمارة الأرض أو الإعمار الباطني وعمارة الأرضية لإصلاح المجتمع.
___________________________
(1) توحيد الصدوق، ص 18.